على غرار القرصنة الإسرائيليّة التي تعرّض لها أسطول الحريّة الأوّل، الذي كان يُبحر صوب شواطئ قطاع غزّة، في أيار العام 2010، بقيادة سفينة «مافي مرمرة»، اعترضت البحريّة الإسرائيليّة، فجر أمس، طليعة أسطول الحريّة الثالث، سفينة «ماريانا» السويدية، وسيطرت عليها بالقوّة أثناء إبحارها في المياه الدولية في طريقها إلى القطاع.
ويضم «أسطول الحريّة 3» أربع سفن غير «ماريانا»، أبحرت صوب شواطئ غزّة في 27 حزيران الحالي، تُقل على متنها ناشطين وبرلمانيين عرب وأوروبيين مُتضامنين مع غزّة، يسعون لكسر الحصار المفروض عليها منذ تسع سنوات. كما تحمل السفن مساعدات غذائية ودوائية إلى القطاع، وشحنة ألواح شمسية للمساعدة في تخفيف وطأة مشكلة الكهرباء فيه، التي يعاني منها حوالي 1.9 مليون فلسطيني.
بحسب القائمين على الأسطول، فإنّ السفن الأربع التي رافقت «ماريانا» في رحلتها البحريّة لكسر الحصار عن غزّة، عادت إلى الموانئ الأوروبيّة التي انطلقت منها بعد انقطاع الاتصال مع طاقم «ماريانا» قائدة الأسطول، مُشيرين إلى أن تراجع السفن الأربع تم بناءً على الخطّة الموضوعة، وأنه سيتم استخدام تلك السفن في تسيير أسطول رابع قريباً.
واقتادت البحريّة الإسرائيليّة السفينة السويديّة «ماريانا» إلى ميناء مدينة أسدود، تمهيداً لاستجواب ركّابها، ومن ثم ترحيلهم إلى بلدانهم، ضاربة بعرض الحائط كل المواثيق والأعراف السياسيّة، لاسيّما أن الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، والنائب العربي في الكنيست باسل غطاس، كانا ضمن طاقم السفينة.
من جانبها قالت إسرائيل إنها منعت السفينة من الوصول إلى قطاع غزة وأجبرتها على الإبحار إلى أسدود. وذكر بيان للجيش الإسرائيلي أن الحادث لم يشهد أعمال عنف، وأقر بأن جنوداً إسرائيليين اعتلوا السفينة في المياه الدولية وقاموا بتفتيشها ثم أجبروها على تغيير مسارها.
وجاء في البيان أنه «بعد استنفاد كل السبل الديبلوماسية أمرت الحكومة الإسرائيلية البحرية الإسرائيلية بإعادة توجيه السفينة للحيلولة دون خرق الحصار البحري» المفروض على غزة.
وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانا هنأ فيه الجنود على نجاحهم في ضبط السفينة التي وصفها بأنها متورطة في «مظاهرة نفاق»، ودعم لـ «حماس» مؤكدا أن «الإجراءات الإسرائيلية تتوافق مع القانون الدولي».
الكاتب والمحلل السياسي سليمان النبيل، وصف ما قامت به البحريّة الإسرائيليّة بـ «قرصنة وعربدة علنيّة»، مشدداً على أن اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لأسطول الحريّة الثالث ينتهك القانون الدولي بشكل صارخ، ويعكس نهج إسرائيل المُتغطرس في منع حريّة الإبحار من وإلى قطاع غزّة.
وقال النبيل في حديث لـ «السفير»: «صحيح أن الأسطول لم ينجح في الوصول إلى شواطئ القطاع، لكنه نجح في إيصال رسالته للعالم كلّه، وأعاد حصار غزّة إلى الواجهة من جديد، ونجحت السفينة المُختطفة في فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي العنصريّة، وتعرية إسرائيل أمام شعوب العالم الحرّة».
وأوضح النبيل أن «الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل» بحق أسطول الحريّة الثالث تُعيد إلى الأذهان صورة المجزرة التي اُرتكبت بحق أسطول الحريّة الأوّل في العام 2010، وأضاف «لم تكن إسرائيل لترتكب هذه الجريمة لو أنّ المجتمع الدولي عاقبها على الجريمة التي ارتكبتها بحق أسطول الحريّة الأوّل».
وانطلق أسطول الحريّة الأول، نحو قطاع غزّة في أواخر شهر أيار العام 2010، وكان يضم خمس سفن، أكبرها السفينة التركيّة «مافي مرمرة»، ويُقل على متنه 750 ناشطاً من 37 دولة، وأثناء إبحار الأسطول في المياه الدولية في عرض البحر المتوسط، هاجمت قوات البحرية الإسرائيلية بالرصاص الحي، والغاز المسيل للدموع، السفينة التركية، التي كانت تحمل على متنها أكثر من 500 متضامن؛ ما أسفر عن استشهاد عشرة ناشطين، وإصابة آخرين بجروح.
بعد حادث أسطول الحرية الأول، حاولت العديد من المؤسسات تكرار المحاولة، وإطلاق أسطول جديد في العام 2011، إلا أن ضغوطاً إسرائيلية حالت دون ذلك، كما يقول الناطق باسم «اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار» علي النزلي وهي منظمة غير حكوميّة تعمل في غزة.
يُعلّق الناشط السياسي إيهاب فسيفس، على قرصنة الاحتلال الإسرائيلي لسفينة «ماريانا»، ومنعه أسطول الحرية الثالث من كسر الحصار المفروض على غزّة بالقول «سواء نجح الأسطول في الوصول أم لا، فهو على الأقل نجح في تسليط الضوء على الحصار الذي يتعرّض له قطاع غزّة منذ صيف العام 2006، وهو بحد ذاته نجاح».
يُضيف فسيفس لـ «السفير»: «كان من المتوقع أن تُسيطر البحرية الإسرائيليّة على سفن الأسطول المتوجهة إلى قطاع غزّة، في المقابل أصرّ القائمون على الأسطول خوض غمار التجربة ومحاولة كسر الحصار، رغم ما يحدق بهم من أخطار وقرصنة وإرهاب إسرائيلي».
أما الصحافيّة والناشطة الشبابيّة صفاء أبو جليلة، فتقول إن «إسرائيل تُمارس العربدة بحق كل من يُفكّر كسر حصار غزّة الذي دخل عامه التاسع توالياً، لكنها ستفشل أمام صمود الأحرار وعدالة قضيتهم»، مشددة على ضرورة ملاحقة الاحتلال في كل المحافل الدولية ومُحاسبته على الحصار الجائر الذي يتعرّض له القطاع.
تُشير أبو جليلة في حديث لـ «السفير» إلى أن ما قامت به قوات الاحتلال بحق أسطول الحرية يؤكد أن إسرائيل لا تفهم سوى لغة التهديد والوعيد، وأنها غير آبهة بالمواقف الدولية، وهو ما ينبغي أن يعزز من خطوات المقاطعة الدولية والسياسية ضد الاحتلال.
وجاء انطلاق أسطول الحرية الثالث صوب شواطئ غزّة تزامناً مع تقرير أصدره المرصد «الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان كشف فيه عن أن نحو 1.9 مليون فلسطيني يختنقون في أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، ويرزحون تحت حصار بري وجوي وبحري في قطاع غزّة.
وشهدت سنوات الحصار التسع الماضية، محاولات عدّة مماثلة عبر سفن فرديّة صغيرة، نجحت منها خمس سفن بالوصول إلى غزّة، فيما اعترضت السلطات الإسرائيليّة خمس سفن أخرى وصادرتها، والسفن التي تمكنت من الوصول لغزة هي: سفينتا «الحرية» و «غزة الحرة»، اللتان وصلتا في 23 آب العام 2008، وأقلّتا أكثر من 40 متضامناً من 17 دولة، بالإضافة إلى سفينة «الأمل» التي وصلت غزة في 29 تشرين الأول العام 2008، وكان على متنها 27 ناشطاً عربياً وتركياً وأوروبياً، وسفينة «الكرامة» التي وصلت في 8 تشرين الثاني 2008، وعلى متنها 22 ناشطاً، وسفينة «الكرامة القطرية» التي وصلت غزة في 20 كانون الأول من العام نفسه، وكانت تحمل شخصيات تمثل جمعيات خيرية قطرية، ومساعدات من الأدوية والمستلزمات الطبية.
أما السفن التي اعترضتها البحرية الإسرائيليّة وقرصنتها، فهي: سفينة «المروة الليبية»، في كانون الأول 2008، وكانت تحمل ثلاثة آلاف طن من المساعدات الغذائية والدوائية، وسفينة «العيد»، في الشهر نفسه، وكانت تحمل مساعدات طبية وإغاثية مقدمة من فلسطينيي الـ48، وسفينة «الكرامة» في كانون الثاني 2009، وسيّرتها حركة «غزة الحرة» - مقرها في قبرص - وتم احتجاز ركابها، وسفينة «الأخوة اللبنانية» في شباط 2009، وكانت تحمل مساعدات من الشعب اللبناني، وسفينة «روح الإنسانية» في حزيران 2009، وكانت تتبع أيضا لحركة «غزة الحرة»، وحملت مساعدات ونشطاء أوروبيين وعرباً.