تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"الوكالة الوطنية للإعلام"... ذاكرة الدولة التي صمدت في وجه الإهمال

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
17-07-2026 | 02:00
A-
A+
الوكالة الوطنية للإعلام... ذاكرة الدولة التي صمدت في وجه الإهمال
الوكالة الوطنية للإعلام... ذاكرة الدولة التي صمدت في وجه الإهمال photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ليس من الإنصاف أن يُذكر الإعلام اللبناني من دون التوقف عند الدور الذي أدّته وتؤّديه "الوكالة الوطنية للإعلام"، التي كنت يومًا مديرًا لها، والتي لم تكن يومًا مجرد مؤسسة رسمية تنقل الأخبار، بل كانت، ولا تزال، ذاكرة الدولة اللبنانية ومرآة مؤسساتها. فمنذ تأسيسها، شكّلت الوكالة المصدر الرسمي الأول للأخبار، واعتمدت عليها وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية، كما كانت المرجع الذي يلجأ إليه اللبنانيون لمتابعة نشاطات الدولة وأحداثها السياسية والأمنية والاقتصادية.
Advertisement

ولا يستطيع أي لبناني منصف أن ينكر ما قدّمته هذه المؤسسة من خدمات إعلامية اتسمت بالمهنية والموضوعية، على رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بها طوال عقود. فقد عمل موظفوها بإمكانات محدودة، وفي ظل غياب الاستثمارات اللازمة لتطويرها، فيما بقيت رسالتهم المهنية أقوى من كل أشكال الإحباط والإهمال.

ولعل أكثر ما يميّز العاملين في "الوكالة الوطنية للإعلام" هو أنهم لم يتعاملوا مع وظائفهم بوصفها مجرد مصدر رزق، بل باعتبارها رسالة وطنية. ففي أصعب المراحل التي مرّ بها لبنان، ولا سيما خلال سنوات الحرب، لم تتوقف الوكالة عن أداء واجبها. كان الموظفون يتوجهون يوميًا إلى مبنى وزارة الإعلام في الصنائع، على رغم القصف والقنص والانفجارات والحواجز، لإصدار النشرات الإخبارية وتأمين استمرارية العمل، مؤمنين بأن الدولة لا يجوز أن تغيب حتى في أحلك الظروف.

وعلى امتداد سنوات طويلة، بقي هؤلاء الجنود المجهولون يعملون بصمت، بعيدًا من الأضواء، من دون أن ينالوا ما يستحقونه من تقدير أو اهتمام. ومع كل أزمة مالية أو إدارية كانت تصيب مؤسسات الدولة، كانت "الوكالة الوطنية للإعلام" من أوائل المتضررين، سواء لجهة نقص التجهيزات أو تأخر عمليات التحديث أو ضعف الإمكانات البشرية والتقنية. ومع ذلك، لم تتراجع عن أداء دورها، بل واصلت عملها بما توافر لديها من إمكانات، محافظة على صدقيتها ومكانتها.

ومع التحولات الكبرى التي شهدها العالم الإعلامي خلال العقدين الأخيرين، ودخول الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة الأخبار، بات من الواضح أن استمرار "الوكالة الوطنية للإعلام" بالوسائل التقليدية لم يعد كافيًا. فالمنافسة اليوم لم تعد بين المؤسسات المحلية فحسب، بل مع منصات عالمية تبث الخبر في لحظته، وتستخدم أحدث التقنيات في إنتاج المحتوى ونشره. ومن هنا، فإن تطوير الوكالة لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة وطنية.

ولا يقتصر التطوير على تحديث المعدات أو تحسين الموقع الإلكتروني، بل يتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإعلام الرسمي بوصفه مرفقًا عامًا يخدم جميع اللبنانيين. وهذه الرؤية يجب أن تشمل تحديث البنية الرقمية، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة المحتوى والأرشفة، وتأهيل الكوادر، وتعزيز شبكة المراسلين في الداخل والخارج، بما يواكب المعايير الحديثة للعمل الإعلامي.

وفي موازاة ذلك، يبقى العنصر البشري هو الثروة الحقيقية للوكالة. فالموظفون الذين حافظوا على استمرارية المؤسسة في أصعب الظروف استحقّوا عن جدارة اليوم إنصافًا فعليًا، لا يقتصر على تحسين أوضاعهم الوظيفية والمعيشية، بل يشمل أيضًا فتح المجال أمامهم للتدريب والتطوير والمشاركة في بناء إعلام رسمي حديث وقادر على المنافسة.

إن الاستثمار في "الوكالة الوطنية للإعلام" ليس استثمارًا في مؤسسة حكومية فحسب، بل هو استثمار في صورة الدولة اللبنانية نفسها. فالدول التي تحترم مؤسساتها تحرص على امتلاك وكالة أنباء رسمية قوية، تتمتع بالمصداقية والاستقلالية والقدرة على إيصال صوتها إلى الداخل والخارج. ولبنان، الذي يملك طاقات إعلامية كبيرة وخبرات مشهودًا لها، لا يجوز أن يبقى إعلامه الرسمي أسير الإمكانات المحدودة والإهمال المزمن.

لقد أثبتت "الوكالة الوطنية للإعلام"، عبر تاريخها الطويل، أنها قادرة على الصمود في وجه الحروب والأزمات والانقسامات. ويبقى الرهان اليوم على أن يواكب هذا الصمود قرار سياسي وإداري يعيد إليها المكانة التي تستحقها، لأنها ليست مجرد مؤسسة إعلامية، بل جزء من ذاكرة لبنان، وشاهد حي على تاريخه، ومنبر وطني يجب أن يبقى حاضرًا في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتزايد فيه الحاجة إلى المعلومة الدقيقة والموثوقة.

وبعد جهاد طويل كنت شاهدًا على جزء كبير منه بحكم مسؤولياتي في إدارة الوكالة نال المتعاقدون مع وزارة الاعلام ما كان يجب أن ينالوه قبل عقود لأنهم مستحقّون، ولأنهم يشرّفون الوظيفة العامة.

وإذا كان لا بدّ من توجيه شكر خاص فإلى وزير الاعلام الحالي الدكتور بول مرقص، الذين آمن بقدرات العاملين في الوكالة، والشكر موصول بنوع خاص إلى المدير العام الدكتور الصديق حسّان فلحة، الذي خاض معركة شرسة لتحقيق هذا الإنجاز، الذي يمكن أن يسمّى باسمه، والشكر أيضًا لجميع المدراء الذين تعاقبوا على إدارة الوكالة من المستشار الاعلامي الرئاسي الاستاذ رفيق شلالا إلى السيدة لور سليمان والمدير الحالي زياد حرفوش، على أمل أن يشمل هذا الانجاز جميع الذين أنهوا خدماتهم قبل صدور هذا القانون عملاً بمبدأ الانصاف والعدالة.
 
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas