نشرت مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) الأميركية تقريراً تناول التقارب اللبناني - التركي في ظل المفاوضات الجارية بين
لبنان وإسرائيل، معتبراً أن
بيروت تسعى إلى الاستفادة من علاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأميركي
دونالد ترامب لتخفيف الضغوط الأميركية المرتبطة بتنفيذ التفاهمات الخاصة بـ"
حزب الله".
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" أشار إلى أن أردوغان أبدى، الشهر الماضي، اهتماماً واضحاً بالتطورات في دول الجوار، قائلاً إن "أمن تركيا لا يبدأ في هاتاي، بل في حلب ودمشق وبيروت".
واعتبر التقرير أن إشارته إلى بيروت حملت دلالة ضمنية على أن العمليات
الإسرائيلية ضد "حزب الله" في لبنان تمثل، في نهاية المطاف، تهديداً للأمن التركي، لافتاً إلى أنَّ تصريحات أردوغان سبقت لقاءه رئيس الحكومة
اللبنانية نواف سلام في إسطنبول في 10 تموز، مُعتبراً أن الاجتماع عكس رغبة أنقرة في التأثير على مستقبل لبنان، مقابل سعي بيروت للحصول على دعم
تركي خلال مفاوضاتها مع
إسرائيل، بما يمنحها ورقة إضافية في تعاملها مع واشنطن.
ورأى التقرير أن تركيا، منذ هجوم السابع من تشرين الأول 2023، أعلنت دعمها الواضح لحركة "حماس"، فيما وصف أردوغان العمليات الإسرائيلية ضد "حزب الله" في لبنان بأنها "إبادة جماعية".
وأوضح التقرير أنَّ أنقرة حاولت أيضاً لعب دور الوسيط بين إسرائيل و"حزب الله"، إلا أن الطرفين رفضا هذه الوساطة، بينما بررت بيروت موقفها بـ"المخاوف من اتساع النفوذ التركي".
وأشار التقرير إلى أن أنقرة تشعر بالإحباط نتيجة استبعادها من الملف اللبناني، الذي تعتبره جزءاً مهماً من أمنها القومي، إلا أن محدودية نفوذها داخل لبنان، إلى جانب تشتت الساحة السنية اللبنانية، يحولان دون تمكن أردوغان من بناء قاعدة دعم واسعة هناك.
واعتبر التقرير أن لقاء إسطنبول منح تركيا فرصة لتعزيز حضورها، إذ يمكنها، إلى جانب دول مثل
السعودية، تشجيع لبنان على تبني موقف متشدد تجاه إسرائيل، ودعم إحجام الدولة اللبنانية عن مواجهة "حزب الله"، إضافة إلى الحفاظ على بيئة تسمح للحزب بالاستفادة من النشاط القائم في تركيا ولبنان.
وأوضح التقرير أنه لا توجد أدلة على قيام أنقرة بتمويل "حزب الله" أو تسليحه بصورة مباشرة، لكنه أشار إلى أن إسرائيل تتهم تركيا بغض الطرف عن مرور أموال مخصصة للحزب عبر أراضيها.
وذكّر بأنه في شباط 2025 ضبطت السلطات اللبنانية، بحسب تقارير، مبلغ 2.5 مليون دولار بحوزة مسافر وصل إلى بيروت قادماً من تركيا، قيل إنه كان مخصصاً لـ"حزب الله"، كما أشار إلى أن مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون هيرلي، دعا تركيا في تشرين الثاني الماضي إلى وقف تدفق الأموال إلى الحزب.
وفي جانب آخر، رأى التقرير أن المسؤولين اللبنانيين يسعون إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع تركيا، انطلاقاً من اعتقادهم بأن أنقرة لا تنوي، أو لا تمتلك حالياً، القدرة على تكرار النموذج
الإيراني القائم على بناء وكلاء طائفيين، رغم وجود آراء لبنانية تعتبر أن ذلك قد يصبح ممكناً مستقبلاً.
وأوضح التقرير أنَّ تركيا، بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي وتمتلك جيشاً قوياً وصناعة عسكرية متقدمة، تكتسب أهمية إضافية بالنسبة إلى بيروت في ظل تحسن العلاقات الأميركية - التركية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، المستندة إلى العلاقة الشخصية الوثيقة بينه وبين أردوغان.
كذلك، أشار التقرير إلى أن ترامب تحدث بإيجابية عن الرئيس التركي خلال قمة "الناتو" المنعقدة في أنقرة في 7 تموز، واعتبر أن تركيا "أكثر وفاءً" من بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
وتطرق التقرير إلى "اتفاق الإطار" الذي وقعه لبنان مع إسرائيل برعاية أميركية في 26 حزيران الماضي، معتبراً أنه أعاد التأكيد على التزام بيروت بمواجهة "حزب الله"، وهو ما يقول التقرير إن الدولة اللبنانية لم تُبد استعداداً لتنفيذه حتى الآن، خشية اندلاع حرب أهلية في ظل استمرار تمتع الحزب بقاعدة شعبية واسعة داخل الطائفة الشيعية.
ويقول التقرير إن إقرار لبنان بعدم استعداده لتنفيذ هذه الالتزامات قد يؤدي إلى خسارة المساعدات الأميركية، وربما إلى استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية. وبحسب التقرير، فإن بيروت تعتقد أن أردوغان، بحكم علاقته مع ترامب، ورغبة أنقرة في بقاء "حزب الله" قوة موازنة لإسرائيل، قد يتمكن من إقناع واشنطن بتخفيف آلية تنفيذ الاتفاق، بما يسمح بإنهاء الوجود والعمليات الإسرائيلية من دون أن يلتزم لبنان بالكامل بما ينص عليه الاتفاق.
وفي ختام التقرير، اعتبر التقرير أن الموقف التركي يقوض السياسة الأميركية في لبنان، رغم تحسن العلاقات بين واشنطن وأنقرة، مشيراً إلى أن
الولايات المتحدة أوضحت، من خلال اتفاق 26 حزيران، أنها تسعى إلى تسوية دائمة للصراع بين لبنان وإسرائيل عبر معالجة "الأسباب الجذرية"، وفي مقدمتها ترسانة "حزب الله" والطرق التي تمكنه من إعادة بناء قدراته العسكرية.
ورأى التقرير أن لبنان بدأ بالفعل بالتراجع عن التزاماته، إذ يطالب بانسحاب إسرائيل قبل الشروع في مناقشة التزاماته المقابلة، بما يخالف التسلسل الذي نص عليه الاتفاق. كذلك، اتهم التقرير مسؤولين لبنانيين، بينهم رئيس الحكومة نواف سلام، بالتقليل من أهمية الاتفاق، وإعادة تفسير الالتزامات الواردة فيه، وتخفيف الحديث عن تعهدات نزع السلاح.
وختم التقرير بالتأكيد أن السماح لـ"حزب الله" بالاحتفاظ بقدراته العسكرية وإعادة التسلح يتعارض مع المصالح الأميركية في المنطقة، داعياً واشنطن إلى إلزام لبنان بتنفيذ تعهداته، وفرض إجراءات متناسبة في حال عدم الالتزام، ورفض ما وصفه بالمبررات اللبنانية التي تُطرح عبر الوساطة التركية.