تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بين مبدأ "استعادة الودائع" وكمائن السياسة.. هل يمرّ قانون "الفجوة المالية"؟

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
08-01-2026 | 07:00
A-
A+
Doc-P-1465369-639034622132513651.webp
Doc-P-1465369-639034622132513651.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يعود ملف الودائع إلى الواجهة ليس كعنوان اقتصادي فحسب، من أجل وضع "خريطة طريق" لاسترداد الأموال، ولا كعنوان "تقني" مرتبط بتفاصيل قانون "الفجوة المالية" الذي أقرّته الحكومة نهاية العام الماضي وأحالته إلى البرلمان، ومدى قابلية تحقيقها، لكن بكل بساطة من باب سياسي دستوري بامتياز، بعدما تحوّل القانون سريعًا إلى ساحة تصفية حسابات بين الحكومة وخصومها، وبين المصارف ومن يطالبها بحصّة أكبر من الخسائر.
 
فمنذ إقرار الحكومة مشروع "الانتظام المالي واسترداد الودائع"، انتقل المشروع الذي يُفترض أن يكون بوابةً لإخراج ملف الودائع من الفراغ، إلى مربع السياسة "الثقيلة"، لتتوالى محاولات "تطييره" من المصارف التي تقول إنه "صدر دون دراسة جدّية للأرقام"، إلى بعض القوى السياسية التي تفضّل تعطيله على تمريره، ولم تجد في سبيل ذلك سوى "ثغرة الآلية" باعتبار أنه لم يمرّ بـ"أكثرية الثلثين" المفترضة عند نقاش "القضايا الأساسية".
 
لكن أبعد من الاشتباك "الدستوري" الذي يرى فيه البعض محاولة لتطيير القانون بأقلّ الخسائر، ثمّة من يرى أنّ مشكلة القانون الجوهرية هي أنّه يمسّ مباشرةً ثلاثة خطوط حمراء دفعة واحدة: ملكية الودائع، مسؤولية الدولة ومصرف لبنان عن الانهيار، ومستقبل القطاع المصرفي ككل. فهل يبرّر ذلك تحوّل المشروع إلى محطة جديدة لتبادل الاتهامات وتفجير الانهيار، ما يفتح الباب على "مقايضات" تعيد الأزمة بدل حلّها، أم يُستكمَل المسار التشريعي حتى النهاية؟!
 
جوهر النقاش.. أين تكمن المشكلة؟
 
ليس خافيًا على أحد أنّ أهمية مشروع "الفجوة المالية" المبدئية تكمن في أنه ليس مجرّد نص تنظيمي، فهو، عمليًّا، أوّل محاولة رسمية لوضع خريطة طريق لردّ جزء من الودائع المجمّدة منذ 2019. وتقوم فكرته على مسار تدريجي: من تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار يستردّون هذا المبلغ كاملًا خلال أربع سنوات (وتُقدَّر نسبتهم بنحو 85% من المودعين). أما من تفوق ودائعهم هذا السقف، فيحصلون أولًا على 100 ألف دولار، ثم يُعطَون سندات قابلة للتداول بقيمة الرصيد المتبقّي، على أن تكون هذه السندات "مدعومة" بأصول مصرف لبنان، مع التأكيد الرسمي على حماية احتياطي الذهب وعدم المسّ به، وإضافة بند يربط الضمانات بما لا يخالف قانون حماية الذهب.
 
على الورق، يبدو الأمر بسيطًا، وربما مغريًا، لكن المعضلة تظهر فور الانتقال من العناوين إلى التنفيذ: من أين تأتي السيولة؟ كيف ستُحتسب القدرة الفعلية للمصارف على الدفع؟ وما الذي يضمن أن السندات ليست مجرد تأجيل طويل الأمد لحقوق كبيرة؟ وأكثر من ذلك، عندما نوزّع الخسائر، من يدفع أولًا؟ الدولة، أم مصرف لبنان، أم المصارف، أم المساهمون، أم يُعاد تحميل الفاتورة للناس عبر آليات “مقنّعة” تُسمّى قوانين إصلاح؟
 
هنا يدخل اعتراض المصارف والهيئات الاقتصادية من الباب الذي يبدو تقنيًا لكنه سياسي بامتياز، فهي ترى أنّ المشروع يَعِد بما قد لا يمكن تحقيقه، وأن الأرقام تحتاج إلى تدقيق أعمق، وتذهب أبعد من ذلك، فتعتبر أنّ المشروع يهدد رسملتها وعلاقاتها بالمصارف المراسلة ويضحي بالمودعين الكبار ويحوّل الاقتصاد إلى اقتصادٍ عنوانه استرداد الودائع لسنوات طويلة، بل يعتمد "منطق تصفية القطاع المصرفي وهدم الاقتصاد الوطني".
 
إلا أنّ الأخطر في موقفها ليس الاعتراض فقط، بل السقف الذي ترفعه إلى الحدّ الأقصى، فهي تُعيد طرح مطلب "تحميل الدولة" القسم الأكبر من الخسائر، حتى عبر تحويل الودائع عمليًّا إلى دين عام/سندات خزينة، ما يفتح الباب أمام المزيد من علامات الاستفهام: فهل يعالج القانون الفجوة بأموال جديدة وخطة رسملة وإصلاح، أم يثبّت الخسائر عبر استعمال ما تبقى من حقوق المودعين نفسها؟
 
المعركة الدستورية والسياسية
 
بعيدًا عن النقاشات الاقتصادية التي قد تبدو "معقّدة" لكثيرين، يبدو أنّ أكثر ما يثير الجدل في الأيام الأخيرة هو الاشتباك الذي تصاعد حول "الشكل"، لا "المضمون"، وذلك من بوابة المادة 65 من الدستور، التي تنصّ أنّ "المواضيع الأساسية" تستوجب أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، وهو ما لا يسري على قانون "الفجوة المالية" الذي أقرّ بأكثرية 13 وزيرًا، مقابل 9 عارضوه، ما يعني برأي كثيرين أنه معرّض للطعن.
 
يرى أصحاب هذا الرأي أنّ مشروعًا يؤسّس لإعادة توزيع خسائر سيادية ويطال الحقوق المكتسبة والمالية العامة وإعادة هيكلة الاقتصاد المالي، يجب أن يُعامل كقرار "أساسي" داخل مجلس الوزراء، ما يستوجب أكثرية الثلثين وفق المادة 65. وإذا لم تتحقق هذه الأكثرية، يصبح المشروع معرّضًا للطعن أمام المجلس الدستوري لاحقًا، وتتحول المعركة إلى سباق بين "تمرير القانون” و"تعطيله قضائيًا".
 
في المقابل، هناك قراءة أخرى تميل إلى اعتبار أن التصويت بالأكثرية العادية داخل مجلس الوزراء كافٍ، خصوصًا أنّ المادة 65 حصرت المواضيع التي تحتاج ثلثين على سبيل التعداد الحصري، وأن قانونًا لمعالجة اختلالات مالية لا يقع ضمنها. ويرى مؤيدو هذا الرأي أن "لا معنى لتحويل المادة إلى فخ سياسي"، مشيرين إلى أن هناك من يريد أن يستخدم القانون من أجل خلق مبرّر لتطيير القانون، أو تأخير النقاش البرلماني به.
 
في كل الأحوال، يرى العارفون أن البرلمان هو ساحة التصويب لمثل هذه الأمور، وهو الذي تقع على عاتقه المهام التشريعية. يظهر العامل السياسي: رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحسب ما يُتداول في الكواليس، يدرس الخيارات المتاحة للتعامل مع المشروع، وتشير المعطيات المتوافرة إلى أنه يتّجه إلى إحالته على اللجان بدل ردّه فورًا، مع اتهام بعض الأطراف بمحاولة رمي “كرة النار” في ملعب رئاسة المجلس بدل تحمل مسؤولياتها، وفق ما نُقِل عنه.
 
السيناريو الأكثر ترجيحًا، حتى إشعار آخر، ليس "تمريرًا سريعًا" للمشروع ولا "دفنًا كاملًا" له. بل مسار طويل في اللجان المشتركة، مع تعديلات جوهرية قد تصل إلى حد إعادة المشروع إلى مجلس الوزراء لإعادة درسه. وفي قلب هذا المسار، ستبقى عقدتان واضحتان: مصير الاحتياطي الإلزامي (9 مليارات)، وتوصيف الأزمة (هل هي أزمة نظامية/شاملة تسمح للمصارف برمي العبء على الدولة، أم أزمة مركّبة تتحمّل فيها المصارف جزءًا من المسؤولية؟). أي إجابة خاطئة هنا ستسقط الثقة قبل أن يبدأ التنفيذ.
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa