كتب ميشال نصر في"الديار": في وقتٍ ظن فيه الكثيرون أن دور "اللجنة الخماسية" قد استنفد، مع انجاز تسوية "تركيب السلطة"، يتوقع ان تطل اللجنة بنسخة جديدة، برؤية هيكلية مغايرة تماماً، متجاوزةً دور "المسكن السياسي" لتدخل في صلب عملية "إعادة هندسة الدولة"، هذه المرة، حيث لم يعد الحراك الذي تقوده الدول الخمس، مجرد محاولات لتقريب وجهات النظر بين القوى
اللبنانية، بقدر ما تحول في ظل المتغيرات الميدانية الكبرى التي أعقبت اتفاق وقف الاعمال العدائية، إلى "غرفة عمليات دولية" لإدارة الانتقال اللبناني نحو الاستقرار المستدام. ففي توقيت سياسي دقيق، داخلياً وإقليمياً، تعود فرنسا لتدفع بقوة نحو إعادة إحياء خماسية باريس بوصفها الإطار الأنسب لإدارة الملف اللبناني، في محاولة لإعادة تثبيت الدور الفرنسي في
لبنان، بعد سلسلة إخفاقات أصابت المبادرات الأحادية والثنائية وكمخرج يحفظ للام الحنون، وفق مصادر دبلوماسية عربية، موقعها داخل اللعبة، من دون أن يحمّلها وحدها كلفة الفشل أو مسؤولية النتائج. وتشير المصادر، الى أن الرغبة
الفرنسية تعكس خشية واضحة من تهميش الدور
الأوروبي في لبنان لمصلحة مقاربات أميركية أكثر براغماتية، أو وساطات إقليمية أكثر فاعلية، حيث تتعامل واشنطن مع لبنان من زاوية أمنية بحتة، فيما تتحرك
السعودية وفق شروط سيادية وإصلاحية صارمة، وتلعب قطر دور الوسيط المرن، شانها في ذلك شان مصر.
من ناحية أخرى، تتابع المصادر، بأن باريس تدرك جيدا أن الخماسية توفّر لها ميزة إضافية: الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع القوى اللبنانية، بما فيها
حزب الله، من دون أن تتحمل وحدها تبعات هذا الخيار، فهي لا تخفي قناعتها بأن أي تسوية لبنانية، في المرحلة الراهنة، لا يمكن أن تتجاوز الحزب أو تدخل في مواجهة مباشرة معه، لذلك، تفضّل العمل ضمن مظلة دولية - عربية تسمح بتدوير الزوايا، مستفيدة من الخطوط المفتوحة بين حارة حريك وكل من الرياض، الدوحة والقاهرة. وتكشف المصادر ان الفترة الاخيرة شهدت سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية بين الدول المعنية، ابرزها حركة اللقاءات المكوكية التي عقدها السفير
الاميركي في
بيروت، ميشال عيسى، مع سفراء دول الخماسية، والتي انطلقت من الرغبة الاميركية في "تطيير" مساعي الايليزيه، في تحويل الخماسية الى ثلاثية اميركية - فرنسية - سعودية، حاولت تظهيرها عبر اللقاء الذي عقد في باريس، بحضور قائد الجيش.
وحول خطة عمل اللجنة الجديدة، رأت المصادر ان تركيزها سيتمحور حول النقاط التالية:
- تثبيت السيادة الميدانية، حيث سيكون للجنة الإشراف المباشر، بالتنسيق مع القوى الدولية، على جدول زمني صارم لحصر السلاح بيد الدولة، مع تحول هذا الملف إلى "شرط استقرار" لضمان عدم عودة لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.
- دعم القوى العسكرية والامنية، حيث تبرز قضية "الاستدامة العسكرية"، التي تفرض تنظيم "مؤتمر دعم الجيش"، في اقرب وقت،لتقديم مساعدات عينية، وبناء منظومة تمويل مستدام لرواتب العسكريين وتطوير أنظمة المراقبة الحدودية.
- المهمة الثالثة والأكثر تعقيداً، الانتقال من "إدارة الأزمة" إلى "إدارة التحول"، فاللجنة الخماسية تضع نصب أعينها ضمان إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وفق معايير تضمن الشفافية، لمنع أي محاولة لتمديد الواقع السياسي القائم.
- حماية "الطائف" كمرجعية نهائية، حيث ستعمل الخماسية كصمام أمان لمنع المساس باتفاق الطائف تحت ضغط المتغيرات الميدانية، والتأكيد على أن أي تطوير للنظام السياسي يجب أن يمر عبر المؤسسات الدستورية وبإجماع وطني..
عليه، فان "الخماسية" الجديدة لا تبحث عن تسوية مؤقتة، انما ترسم ملامح "
جمهورية ما بعد الأزمات"، في مهمة تتطلب نفساً طويلاً وقدرة على المناورة بين الألغام المحلية، فيما الرسالة الدولية الموحدة تبدو حاسمة: لبنان في سباق مع الوقت، والحل هذه المرة يبدأ من السيادة وينتهي بالإعمار، وما بينهما دولة قانون.