تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

فيروز… سيدة الوجع الصامت

خاص "لبنان 24"

|
Lebanon 24
10-01-2026 | 11:30
A-
A+
Doc-P-1466397-639036331183304448.jpg
Doc-P-1466397-639036331183304448.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تقف فيروز، السيدة الاستثنائية بصوتها وإحساسها وحتى بوجعها، أمام نعش ابنها هلي، الذي رافقته في مشوار عذاباته الجسدية والنفسية لستين سنة بنهاراتها ولياليها، بإيمان وصلاة وصمت وألم يعتصرها من الداخل.
يوم وقفت سيدة الحزن والأوجاع أمام نعش ابنها زياد الاستثنائي بموهبته وفنّه بكته وأبكت معها محبيها في لبنان والعالم العربي، وهي التي لم تغنِّ إلاّ للفرح والحب والأمل. ومع كل أغنية من أغانيها الخالدة كانت تزرع الفرح والبهجة، لكن قلبها كان حزينًا. ففي كل مرّة وقفت فيها على خشبة المسرح لم يغب هلي عن فكرها وقلبها. حملته معها إلى المسرح. تنقّلت به مثقلًا بأوجاعه ومعاناته بين "الفا" و"السول". ومع كل "آه"، ومع كل موال و"أبو الزلف" و"العتابا" كانت تخفي وجعًا لبس السواد يوم فقدت ابنتها، ويوم ودّعت رفيق دربها عاصي، ويوم انسلخ قلبها برحيل زياد.
فيروز ليست مجرد صوت يضئ صباحاتنا، بل هي شعاعٌ من حزن عميق يلمع في الظل وفي الليالي الطوال. هي رفّةُ ألمٍ يهمس في أعماق القلب. أفرحتنا كثيرًا، حتى ظننا أن الفرح يسكنها إلى الأبد، لكن خلف ذلك الضوء كانت تسكنها غابة من الحزن الطويل، تمشي معها كظلّ لا يفارقها.
فيروز، التي فقدت ابنتها وشريك عمرها صانع الاحلام الوردية، ثم ولديها، عاشت الألم بكل جوارحها، وهي التي كانت عندما ترتل "أنا الأم الحزينة" يوم "الجمعة العظيمة" شاركت أم الفادي يسوع الآمها وحرقتها على فقد فلذات الأكباد. وفيما كان "البيت الفيروزي" يفرغ من ساكنيه بقي الصوت واقفًا في وجه الزمن وفي وجه القدر، شامخًا شموخ الأرز. خساراتها لم تكن عابرة، بل متتالية، كأن القدر اختبر قدرة صمتها أكثر مما اختبر قوة صوتها.
ومع ذلك، لم تحوّل وجعها إلى مرثية شخصية، بل إلى فنّ ينسج من الألم أجنحة، ومن الخسارة نوافذ أمل، ومن الصمت أناشيد حرية للريح والعصافير. غنّت للحب وهي موجوعة، وغنّت للوطن وهو مكسور، وغنّت للفرح وكأنها تمنحه للناس لا لنفسها. كانت تعرف أن الصوت الحقيقي لا يولد من الترف، بل من عمق الجرح ومن صدق الدمعة.
لهذا أحبّها الناس بهذا العمق العشقي، لأنها لم تغنِ من فائض السعادة، بل من صميم الألم. صوتها لم يصرخ، بل همس. لم يطلب التعاطف، بل منح الطمأنينة. لم يكن مجرد صوت، بل وطن صغير نحتمي به في ليالٍ قاسية.
فيروز ليست سفيرتنا إلى النجوم فحسب؛ هي ذاكرة، وصلاة، وحالة إنسانية نادرة. سيدة الحزن، نعم، لكنها سيدة الكرامة في الحزن، وسيدة الجمال الذي يولد من الألم. وكلما اشتدّ وجعنا، عدنا إليها، لأنها تعرف الوجع أكثر مما نعرفه، وتحوّله إلى أجنحة تعانقنا في صمت الليل، وتفتح لنا نوافذ على الضوء.
ما أصعب الفراق يوم تقف الأم الحزينة خاشعة ومصلية أمام نعش فلذات الأكباد. مؤمنة وصابرة هي تلك السيدة، التي اختصرت بمشوارها الفني مساحات واسعة من زمن الفرح المشوب بلمسة حزن على وطن يتهاوى، وعلى أحبّة يرحلون، وعلى لحن باقٍ في البال والذاكرة والوجدان.
فيروز التي صلّت للقدس العتيقة ولبيروت الجريحة ولوطن لم يشبه وطن غربة وناطورة المفاتيح وأيام فخر الدين ويعيش يعيش تصّلي اليوم لليال وعاصي وزياد وهلي، على أن تبقى مسيرتها الفنية رفيقة ليالي الشمال الحزينة.
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

خاص "لبنان 24"