تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بين عون و"حزب الله".. خلاف مضبوط أم إعادة ترسيم لقواعد اللعبة؟

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
15-01-2026 | 05:00
A-
A+
Doc-P-1468805-639040666947331984.webp
Doc-P-1468805-639040666947331984.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم ينزل كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون عن سلاح "حزب الله" بردًا وسلامًا على جمهور الحزب، ولا على قيادته، خصوصًا أنه بدا بمثابة إعلان "سقف سياسي جديد" يتجاهل الحزب ويقفز فوق حيثيّته، فهو لم يكتفِ بالتأكيد على مبدأ "حصرية السلاح" كما يفعل منذ أشهر، ولكنه ذهب إلى حدّ قول إنّ الظرف الذي فرض وجود السلاح في فترة سابقة انتفى اليوم، بعدما أصبح الجيش والدولة هما المسؤولان عن حماية المواطنين على كامل الأراضي اللبنانية.
 
أبعد من ذلك، ذهب عون في تصريحاته، التي كان الهدف الأساسيّ منها التأكيد على "حزم" الدولة في ملفّ حصرية السلاح، فقال إنّ هذا السلاح كان في رأي البعض قادرًا على ردع إسرائيل وتحقيق الانسحاب، "لكنه اليوم أصبح عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل"، داعيًا إلى قراءة الظروف الإقليمية والدولية بواقعية، في إشارة غير مباشرة إلى أنّه فقد دوره الرادع أيضًا بنتيجة الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
 
ولأنّ موقف عون لم يكن من الممكن تصنيفه "عابرًا"، في ضوء السجال السياسي القائم بين القوى السياسية، بدت ردود الحزب عليه، "غير مسبوقة" إن صحّ التعبير، ولو لم ترقَ لمستوى البيان الرسمي، فالوزير السابق محمد فنيش تحدّث عن وجود "ملاحظات" عليه، و"اختلافات" معه، فيما بدا نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي أقسى عندما اعتبر أنّ البعض يصرّ على تنفيذ الإملاءات الخارجية ويقدّم التنازلات لإسرائيل. فكيف تُقرَأ هذه المواقف؟
 
"برودة" في العلاقة
 
يكفي أن نلاحظ تبدّلًا في "لغة المخاطبة" كي نفهم أن البرودة دخلت على الخط. فعلى امتداد الأشهر الماضية، كان "حزب الله" حين ينتقد رئيس الحكومة نواف سلام، يحيّد رئيس الجمهورية، ولو نطق الاثنان بالعبارات نفسها، الأمر الذي لم يتكرّر هذه المرة، أقلّه في كلام قماطي الذي وضع عون وسلام في خانة واحدة، حين قال إنّ تصريحاتهما حول حصر السلاح شمال الليطاني تعني أن الحكومة ذاهبة إلى الفوضى وانعدام الاستقرار.
 
ولفهم هذه "البرودة" من المناسب التوقف عند وجهة نظر كلّ فريق. فبالنسبة إلى موقف رئيس الجمهورية أولاً، يمكن القول إنّ خلفه محاولة متعمّدة لإعادة تعريف المسألة من "نقاش حول سلاح" إلى "نقاش حول دولة"، فهو يرفع سقف الكلام ليحجز موقع الدولة في النقاش، من دون أن يعلن آليات صدامية أو مهلًا زمنية قد تفجّر الحكومة، لأنه يعرف أن فتح ملف السلاح بقرارات مباشرة سيستدعي صدامًا داخل الحكومة قبل أن يحقق أي مكسب فعلي. بمعنى آخر، هو يحاول أن يمسك بخيط توازن، ولو أنّ مهمّة كهذه تتطلب حسابات شديدة الدقة بين ما يُقال وما يُمكن احتماله سياسيًا وأمنيًا.
 
أما "حزب الله"، فموقفه، رغم حدّته، يشي بأنه يريد أن يضع "شروط إدارة النقاش" لا أن يقطع الطريق على العهد. صحيح أن وجود "ملاحظات واختلافات" هو مؤشر غير اعتيادي في شكل التعبير، لكن الأهم هو مضمون الرسالة: الحزب لا يريد تحويل الخلاف مع العهد إلى معركة داخلية تُستثمر ضده سياسيًا، لكنه يرفض في الوقت نفسه أن يتحول خطاب الحصرية إلى مسار أحادي تُلقى كلفته عليه وحده، ويخشى أن يُبنى النقاش كأنه امتحان دائم لـ"تعقّل" الحزب مقابل صمتٍ عن الوقائع الأمنية والاعتداءات وتوازنات الإقليم.
 
من يضبط الإيقاع؟
 
هكذا، يمكن القول إنّ ما يتبدّى في الأيام الأخيرة ليس انكسار تفاهم ولا انقلاب تحالفات، بل صعود "سقف الخطاب" الرئاسي إلى مستوى يريد إعادة تعريف الدولة كمرجعية وحيدة، مقابل "تحفّظ" محسوب لدى الحزب يرفض أن يُترجم هذا السقف إلى خطوات تُقدَّم كتنازل مجاني بلا أثمان سياسية أو أمنية. وبين السقفين، يتشكّل هامش رمادي كبير: كيف تُدار الأزمة؟ ومن يضبط إيقاعها؟ وهل يُسمح لها بالتوسع أم تُحاصر داخل خطوط حمر غير معلنة؟
 
هنا بالذات تتقدّم السياسة اللبنانية على النصوص: المسألة ليست فقط ماذا قال عون، ولا فقط كيف ردّ الحزب، بل من يملك القدرة على منع هذا التباين من التحوّل إلى أزمة حكم، ومن يحدد "سقف الاشتباك" بحيث يبقى خلافًا مضبوطًا لا صدامًا مفتوحًا. وفي هذه النقطة، يصبح دور الرئيس نبيه بري حاسمًا لا تفصيليًا. فالرجل ليس مجرد "وسيط" بين حليف ورئيس، بل هو عمليًا مدير ميزان الاستقرار داخل السلطة، ووظيفته هنا ليست "تجميل" الخلاف، بل تنظيمه، عبر تثبيت خطوط تواصل ومنع ترجمة السجال إلى تعطيل حكومي أو اشتباك نيابي.
 
أما السيناريوهات، فثلاثة هي الأقرب إلى المنطق السياسي اللبناني. السيناريو الأول هو "تسوية هادئة" تقوم على تخفيف سقف التصريحات، وتفعيل قنوات خلفية، وتدوير الزوايا بحيث يبقى خطاب الدولة قائمًا من دون أن يتحول إلى إجراءات صدامية. أما السيناريو الثاني فيقوم على "تمدّد التباين"، بمعنى أن يرفع كل طرف سقفه أكثر، من دون الوصول إلى القطيعة أو الانفجار. ويبقى السيناريو الثالث، وهو "التصعيد المضبوط"، بمعنى توتر سياسي يتوسع إلى البرلمان والحكومة والشارع، ثم يُعاد احتواؤه لاحقًا بتسوية.
 
حتى الآن، الأرجح أنّ البلد يتجه نحو السيناريو الأول: خلاف مضبوط، وسقوف مرتفعة في الكلام، لكن خطوط حمر تمنع الانفجار. غير أنّ بقاء هذا التوازن مرهون بعاملين: ضغط الخارج من جهة، وما يجري ميدانيًا من جهة ثانية. فإذا اختلّت المعادلة الأمنية، سيتحوّل الخلاف السياسي إلى أزمة أكبر. أما إذا بقيت الضغوط ضمن سقف يمكن احتواؤه، فسنكون أمام مرحلة طويلة من "إدارة التباين" لا "كسره".
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa