في أسبوعٍ لبناني بدا مزدحمًا بالرسائل المتقاطعة، عاد الزخم الدولي إلى واجهة المشهد اللبناني، ومعه عاد سفراء "الخماسية" ليتصدّروا الحراك السياسي، بعد إعلان باريس الخامس من آذار المقبل موعدًا لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي يفتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أن يسبقه اجتماع تحضيري في العاصمة القطرية الدوحة منتصف شباط، تُنسَّق فيه المواقف، وتتبلور الآليّات.
لكنّ أهمية الحدث لا تختصرها الصورة الديبلوماسية، سواء جاءت من الدوحة، أو باريس، أو حتى الرياض. فالمؤتمر يأتي عمليًا كاختبارٍ للمرحلة الثانية من "حصرية السلاح" وما بعدها، لأنّ المجتمع الدولي، بعد مرحلة طويلة من إدارة الأزمة، يحاول هذه المرّة تثبيت مسارٍ بمهلٍ ومحطاتٍ واضحة، أولها اجتماع الدوحة وثانيها مؤتمر باريس، الذي ينظر إليه كثيرون تاليًا بوصفه اختبارًا للدولة أكثر ممّا هو مكافأة لها.
ولعلّ الرهان هنا مزدوج، فلبنان يريد من مؤتمر باريس دعمًا جديًا، أو "شبكة أمان" للمؤسسة العسكرية، من أجل المضيّ في المهام الملقاة على عاتقها في لحظة ضغط أمني وسياسي، وأولها "حصر السلاح"، فيما تريد الدول ترجمة ملموسة لهذا المسار ضمن جدولٍ زمني واضح، لا "نية سياسية" مفتوحة على التأجيل كما درجت العادة. وبين الرهانين، يعود السؤال اللبناني القديم بصيغة جديدة: من يملك الساعة.. ومن يفرض الإيقاع؟
مؤتمر باريس.. دعمٌ مشروط أم "دفعة إنجاز"؟
ليس سرًا أنّ تحديد موعد 5 آذار لم يأتِ من فراغ، بل بعد حراكٍ ديبلوماسي فرنسي-لبناني مكثّف وزياراتٍ للموفد الفرنسي جان-إيف لودريان ومشاورات مع الدول المعنية بالمساهمة.والأهم أنّ المؤتمر يُقدَّم بوصفه خطوة لرفع قدرة الجيش وقوى الأمن الداخلي على القيام بمهماتٍ مُعقّدة في الداخل وعلى الحدود، في سياقٍ أوسع عنوانه استعادة الدولة لدورها التنفيذي، لا الاكتفاء بإعلان المواقف.
هنا بالتحديد يتبدّل معنى"الدعم"، فالمجتمع الدولي يربط كما أصبح واضحًا مؤتمر باريس بجهدٍ أكبر لتعزيز قدرة الجيش على فرض "حصرية السلاح" بيد الدولة، بما يتجاوز الدعم اللوجستي إلى محاولة إنتاج ميزان قوة مؤسساتي داخل الدولة
اللبنانية نفسها. وبعبارة أخرى، يمكن القول إنّ مؤتمر باريس ليس "مؤتمر مساعدات" بالمعنى التقليدي، بل محاولة لتثبيت قاعدة سياسية-أمنية: التمويل يتبع التنفيذ، لا العكس، بالتالي فإنّ التنفيذ هنا "رهينة" قدرة
الدولة على إنتاج خطوات قابلة للقياس.
لكنّ هذا المسار يصطدم بمعضلة واقعية: ما الذي ستدعمه الدول تحديدًا؟
وفق المقاربة التي يتمّ تداولها، فإنّ الدعم في هذه المرحلة يُرجَّح أن يذهب إلى "مستلزمات تنفيذ خطة حصرية السلاح" أكثر مما يذهب إلى تزويد الجيش بأسلحة نوعية "دفاعية أو هجومية" تتيح الردع في مواجهة الاعتداءات
الإسرائيلية، وهنا يكمن جوهر الموضوع برأي كثيرين: فالجيش يُطلب منه أن يملأ فراغًا سياديًا على الأرض، فيما "سقف التسليح" قد يبقى مضبوطًا بحساباتٍ إقليمية ودولية لا علاقة للبنان بها، فمن يفكّ اللغز؟ وكيف تُردم الفجوة بين المطلوب والقدرة؟
عودة الخماسية.. مظلة سياسية أم "غرفة عمليات"؟
بالتوازي مع بدء التكهّنات حول مسار مؤتمر باريس لدعم الجيش، والزخم الدولي الذي خلقه حول الملف اللبناني، فإنّ أكثر ما لفت انتباه الأوساط السياسية هذا الأسبوع كان عودة "الخماسية" إلى الواجهة خصوصًا بعد الاجتماع في بعبدا الذي جمع، إلى جانب سفراء الدول الخمس (الولايات المتحدة، فرنسا،
السعودية، قطر، مصر)، موفدين بارزين، بينهم الأمير يزيد بن فرحان، والوزير السابق جان-إيف لودريان، ومساعد وزير الدولة لشؤون الخارجية القطري محمد بن عبد العزيز آل ثاني.
هذه الصيغة تعني شيئًا واحدًا: الملف لم يعد "متابعة سفارات" فقط، بل مسار منسّق متعدد العواصم، يربط بين السياسة والتمويل والأمن بخيط واحد. ولأنّ العواصم تعرف أن باريس وحدها لا تكفي، جاء الحديث عن لقاء تمهيدي في الدوحة منتصف شباط، مع دلالة إضافية: قطر تُقدَّم بوصفها دولة تمتلك خبرة دعمٍ مباشر للجيش منذ سنوات على مستوى مالي ولوجستي ومحروقات، ما يجعلها مرشحة للعب دور "المحرّك" قبل محطة باريس.
وفي الخلفية، تبرز إشارة أخرى: بعض المشاورات تحوّلت من صيغة ثلاثية إلى خماسية أوسع، بما يعكس رغبة في توسيع الشراكة الإقليمية والدولية في إدارة الملف اللبناني، ولأنّ المطلوب عمليًا ليس تمرير موعد، وإنما إدارة مسار كامل. غير أنّ هذا الزخم يصطدم بالسؤال الداخلي: هل تملك الحكومة رواية تنفيذية متماسكة للمرحلة الثانية؟ هنا يبدو استحقاق شهر شباط، عندما تعرض قيادة الجيش خطة المرحلة الثانية من حصر السلاح، مفصليًا، فإذا لم تُنجَز الخطة بوضوح ومهل محدّدة وقدرة على تحمّل تبعاتها السياسية، فإن الخماسية ستتحوّل من مظلة دعم إلى أداة ضغط، ربما يفرغ مؤتمر باريس من مضمونه.
من يفرض الإيقاع…
لبنان أم الخارج؟
يخطئ من يقرأ مؤتمر باريس كحدثٍ منفصل عن مسارٍ أكبر. هو حلقة في سلسلة تبدأ بترسيم الأولويات الدولية: دعم المؤسسة العسكرية كرافعة لاستقرارٍ داخلي، ولكن قبل ذلك، لإدارة ملف"حصرية السلاح" بحدودٍ قابلة للقياس. وفي المقابل، يحاول لبنان أن يحوّل هذا الزخم إلى مكسبٍ سياسي-أمني، في إطار حماية الجيش من الانهيار، وتحويله إلى "خيار الدولة" الوحيد حين تتزاحم الخيارات الأخرى.
حتى الآن، الصورة تقول إن العالم مستعد لفتح الباب.. لكنّه يطلب "بطاقة دخول"، هي خطة المرحلة الثانية من حصر السلاح، مع جدول زمني واضح، وربما خطوات قابلة للتحقق قبل 5 آذار. وما لم ينجح لبنان في الإمساك بإيقاعه، ستتحول باريس إلى موعدٍ يُملي عليه الشروط بدل أن يمنحه الفرصة. وفي بلدٍ يعتاد أن يخسر الوقت، قد تكون معركة الأسابيع المقبلة هي الأخطر: ليس فقط ما الذي سيُقال في باريس، بل ما الذي سيُنجَز في
بيروت قبلها.