يشكّل الانقسام الداخلي بشأن الانتخابات النيابية حقيقة راسخة في المشهد السياسي اللبناني، ولم يعد خافيًا على أحد أن هذا الاستحقاق، بدل أن يكون محطة تداول ديموقراطي للسلطة، تحوّل إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى عاجزة عن التوافق، وأخرى تجيد الاستثمار في الفوضى.
فالقوى السياسية تبدو موزّعة بين حسابات متناقضة، ومصالح متضاربة، ومخاوف متبادلة من نتائج قد تعيد خلط الأوراق بشكل لا يخدم معظمها.
في هذا السياق، يظهر بوضوح أن طرفين اثنين فقط يمتلكان قدرة حقيقية على الاستفادة من أي انتخابات تُجرى في الظروف الحالية، وهما "
حزب الله" و"
القوات اللبنانية". يعود ذلك إلى امتلاكهما قواعد شعبية ثابتة، وآلات تنظيمية فعالة، وقدرة على تعبئة الشارع في لحظة سياسية كالتي نمر بها.
في المقابل، تعاني قوى أخرى من تراجع في الحضور الشعبي، أو من انقسامات داخلية حادة، أو من غياب خطاب مقنع، ما يجعلها أكثر خشية من الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
غير أن الأزمة لا تقتصر على موازين القوى، بل تتجاوزها إلى مسألة إجرائية وسياسية أكثر تعقيدًا. فالأجواء العامة تبدو مقفلة، سواء داخل الحكومة أو في مجلس النواب. لا آلية فعلية مضمونة حتى اليوم لتطبيق
القانون الانتخابي الحالي، ولا توافق على تعديله، ولا قدرة على فتح نقاش جدي حول بدائل واقعية. هذا الشلل المزدوج يجعل السير بالانتخابات مسارًا شبه مستحيل، ويعيد إلى الواجهة سيناريو التمديد كخيار وحيد لتفادي الفراغ.
اللافت أن التمديد، الذي كان يُعد في السابق خطوة محرجة سياسيًا وشعبيًا، لم يعد يثير القلق نفسه لدى معظم القوى. فحسابات الخسارة
الانتخابية باتت أثقل من كلفة التمديد المعنوية. ومع مرور الوقت، قد يتبدّد الخوف من الإقدام على هذه الخطوة، خصوصًا إذا غاب أي ضغط خارجي مباشر. فالتجربة أثبتت أن الاعتراضات تبقى محدودة ما لم تترافق مع تهديدات علنية أو إجراءات واضحة
من واشنطن أو عواصم مؤثرة أخرى.
بذلك، لا يبدو أن الانتخابات النيابية باتت أولوية حقيقية لدى الطبقة السياسية، بقدر ما أصبحت ورقة تفاوض ومناورة.