تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"الثنائي الشيعي" في مواجهة لحظة داخلية حسّاسة

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
22-01-2026 | 04:00
A-
A+
الثنائي الشيعي في مواجهة لحظة داخلية حسّاسة
الثنائي الشيعي في مواجهة لحظة داخلية حسّاسة photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يتقدّم المشهد اللبناني اليوم على إيقاع تصعيد إسرائيلي متدرّج على الجنوب، بلغ حدود التدمير الواسع والتهجير، بالتوازي مع ضغط أميركي متزايد يُدار تحت عناوين الاحتواء الأمني وخفض التصعيد، من دون أن يقدّم في المقابل أي التزام سياسي أو أمني واضح. في المقابل، تتعامل السلطة مع الأزمة بوصفها ملفاً أمنياً قابلاً للإدارة والضبط، وليس كمواجهة سياسية مفتوحة مع عدوان اسرائيلي قائم، فيما يركّز الحراك الرسمي على مقاربات جزئية لا تعكس حجم التحديات المطروحة. وبين تصاعد الاعتداءات وارتفاع سقوف الشروط الخارجية يغيب أي مسار دبلوماسي فعلي أو خطاب سيادي متماسك يوازي كلفة ما تتحمّله الساحة الداخلية اللبنانية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل المسار الداخلي عن طبيعة الضغوط الخارجية المفروضة على لبنان.فالضغط الأميركي لا يتقدّم كوساطة ولا يُطرَح كضمانة، بل يعمل كأداة ضغط سياسي واضحة، تفرض خطوات لبنانية أحادية في ملفات حسّاسة، من دون أن تربطها بأي التزام إسرائيلي موازٍ. وعليه، يبقى المطلوب داخلياً محدَّداً بإطار زمني صارم، فيما تُهمِل واشنطن في المقابل شروط وقف العدوان، والانسحاب، وإعادة الأسرى، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وتتركه من دون جدول زمني، ولا ضمانات، ولا حتى تعهّد سياسي واضح.

ولعلّ الأخطر أن هذا الضغط لا يُواجه بأي خطاب سياسي مضاد، ولا تُقابله إدارة تفاوضية تسعى إلى تحويله إلى اشتباك دبلوماسي منظَّم، بل يبدو أنه يجري استيعابه بهدوء داخل بنية القرار الرسمي وتتعامل معه السلطة كمعطى ثابت. فبدل ربط الملفات ببعضها وتحويلها إلى سلة تفاوضية واحدة، تفكّك الدولة هذه الملفات وتعزلها، وتدير كلًّا منها على حدة، بما يُبقي العدوان الإسرائيلي خارج أي محاسبة سياسية، ويُحمّل الداخل اللبناني وحده كلفة التنازلات المطروحة.

هنا تحديداً تتكشّف مسؤولية الدولة بوصفها جهة اختارت إدارة الأزمة بمنطق الامتثال لا التفاوض. فبحسب مصادر سياسية مطلعة فإنّ الدولة التي تطالب الداخل بخطوات حسّاسة تمسّ توازناته وخياراته، من دون أن ترفع سقفها السياسي في الخارج، ومن دون أن تبادر إلى إنتاج ضغط دبلوماسي أو قانوني موازٍ، لا تمارس السيادة فعلياً بل تُفرغها من مضمونها. وبهذا الخيار، تتحوّل التهدئة، وفق المصادر، من أداة يُفترض أن تحمي البلد إلى عبء داخلي خالص، يُدفع ثمنه سياسياً واجتماعياً من دون أن يقي لبنان عدواناً، أو ينتزع التزاماً، أو يفتح أفقاً سياسياً واضحاً.

ويزداد هذا الخيار إشكالية عند مقارنته بما تضمّنه خطاب القسم، الذي حاز يومها على إجماع واسع انطلاقاً من كونه مقاربة شاملة لا تختزل المسألة الوطنية بعنوان واحد. حيث قُدّم الخطاب بوصفه إطاراً متكاملاً يعالج في آنٍ واحد مسألة الأرض المحتلة، وملف الأسرى، وإعادة الإعمار، وفتح نقاش وطني مسؤول حول استراتيجية أمن وطني جامعة. غير أن المقاربة المعتمدة اليوم توحي، بحسب المصادر نفسها، بتعامل انتقائي مع مضامينه الأساسية، حيث يجري التركيز على بعض عناوينه بمعزل عن سياقها الكامل، فيما تُرحَّل البنود التي تستوجب التزامات مقابلة على الخارج أو تفرض مساراً سياسياً أوسع.

في موازاة ذلك، يتبلور مشهد داخلي بالغ الحساسية. فمع غياب أي تدخل رسمي يحدّد الإطار السياسي للمواجهة، برزت أصوات سياسية وإعلامية من مواقع متعدّدة تروّج، بشكل متدرّج، لسردية تربط العدوان مباشرة بملف السلاح، وتعيد إنتاج مقاربة تُحمّل الداخل اللبناني مسؤولية ما يجري. هذا المسار، وإن لم يُعبَّر عنه بقرار رسمي، يكتسب مع التكرار والانتشار صفة الواقع السياسي الضاغط، ويفتح الباب أمام انقسام داخلي دقيق في لحظة يفترض أن تُدار بمنطق التماسك وتوحيد الأولويات.

وإذ يزداد هذا التطوّر حساسية، فإنه يضع "الثنائي الشيعي" في موقع حرج أمام بيئته المباشرة. حيث كشفت المصادر أن الصمت السياسي المعتمد، بمعزل عن خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم وسقفها العالي، بدأ يُنتج فجوة ملموسة على مستوى القاعدة، لا سيما في ظل غياب ترجمة سياسية أو ميدانية توازي حجم التضحيات. وفي هذا الإطار، لا يمرّ هذا التباين بين الخطاب والواقع العملي من دون كلفة، إذ يفتح المجال أمام تململ متصاعد داخل البيئة نفسها، يجري التعبير عنه خارج القنوات التنظيمية التقليدية، وعبر منصات ومؤثّرين يطرحون أسئلة مباشرة حول جدوى الانتظار وحدود الصبر في مسار لا تظهر فيه أي مؤشرات على حماية الناس وأمنهم، فضلاً عن غياب أي مكاسب سياسية مقابلة.

وما يجعل هذا المشهد بالغ الخطورة ليس مجرد ارتفاع منسوب الاعتراض، بل كونه يضغط على القيادة السياسية والتنظيمية "للثنائي" من الأسفل، ويضعها أمام معادلة دقيقة: الاستمرار في ضبط الإيقاع الداخلي في ظل صمت الدولة وتزايد الأكلاف، أو مواجهة ضغط اجتماعي يتشكّل خارج القنوات المعهودة قد يفرض إيقاعاً مختلفاً على القرار السياسي. وعند هذه النقطة، تلفت المصادر الى أنّ التحدي لا يعود متعلقاً بإدارة الخطاب أو احتواء الغضب، بل بكيفية منع انتقال التململ من حالة اعتراض معنوي إلى عامل ضغط فعلي يصعب التحكم بمساره.

في المحصّلة، لم تعد المسألة محصورة بإدارة وضع أمني أو احتواء تداعيات سياسية، بل باتت تعكس خللاً بنيوياً في طريقة إدارة الدولة للأزمة. إذ ترى المصادر أن الدولة التي تعجز عن تحويل الضغط الخارجي إلى مسار تفاوضي واضح، وتفشل في حماية جبهتها الداخلية سياسياً وأمنياً وتترك الساحة الخطابية من دون ضبط أو توجيه، لا تدير أزمة بل تراكم اختلالات. ومع تراكم هذه الاختلالات، تنتقل المخاطر من مستوى قابل للإدارة إلى مستوى مفتوح على تداعيات يصعب التحكّم بها أو ضبط إيقاعها.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj