نشر معهد "ألما" الإسرائيليّ للدراسات الأمنية والاستراتيجية تقريراً جديداً قال فيه إن "الحكومة اللبنانية فشلت في مُواجهة حزب الله".
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" يقولُ إن "الخطاب المحيط بنزع سلاح حزب الله شهد تحولاً جوهرياً في الأشهر الأخيرة من خطاب يركزُ على نزع السلاح إلى خطاب يركز على احتواء الأسلحة"، وتابع: "تكتسب الدلالات اللغوية أهمية بالغة لأنها تُسهّل وتُضفي الشرعية على تغيير السياسات، بهدف تهيئة مناخ مواتٍ لحزب الله".
واستكمل: "لقد أعلنت الحكومة اللبنانية نجاح المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، والتي اختُتمت بنهاية عام 2025 وفقاً للجدول الزمني الذي التزمت به القوات المسلحة اللبنانية. آنذاك، أعلنت الحكومة أن الجيش اللبناني أنجز مهمته، وأن قواته منتشرة الآن في كل أنحاء جنوب لبنان، باستثناء 5 نقاط استراتيجية لا يزال الجيش الإسرائيلي متواجداً فيها. ووفقاً لبيانات الجيش اللبناني، يشملُ هذا الانتشار أكثر من 10 آلاف جندي في نحو 200 موقع، كما أفادت التقارير بتحديد 177 نفقاً و566 منصة إطلاق صواريخ وتحييدها".
وقال: "مع ذلك، لم تُقدَّم أي أدلة موثقة تدعم الأرقام التي عرضها الجيش اللبناني. علاوة على ذلك، يُشير النشاط الهجومي للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى فجوة كبيرة بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض: فحتى بعد إعلان الجيش اللبناني (ظاهرياً) عن إتمام المرحلة الأولى، لا تزال هناك مواقع عديدة لتخزين الأسلحة، ومواقع إطلاق، وجهود لإعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية، ووجود مستمر لعناصر حزب الله، بما في ذلك جنوب نهر الليطاني".
وتابع: "لطالما اتسم الخطاب في لبنان بشأن قضية الأسلحة بالفجوة بين الخطاب العام والممارسة الفعلية. فمن جهة، قدمت تصريحات متكررة من رئيس لبنان جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي، ظاهرياً، خطاً سيادياً موحداً، مؤكدة على مبدأ احتكار الدولة للأسلحة (دون الإشارة صراحةً إلى حزب الله)، وعلى ضرورة بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضي البلاد. وفي هذا السياق، تم أيضاً تحديد أهداف اعتُبرت موجهة نحو نزع سلاح حزب الله".
وتابع: "من جهة أخرى، يتشكل في الواقع نمط سياسي أكثر تدرجاً وحذراً، نابع من ضرورة الموازنة بين الضغط الدولي الممارس على الحكومة اللبنانية والرغبة في تجنب التوتر أو المواجهة المباشرة مع حزب الله، وبالتالي تهيئة مناخ ملائم للحزب. وعليه، يعمل الجيش اللبناني بالتنسيق مع حزب الله بطريقة مقبولة ومناسبة له، لا تقوض جهوده لإعادة بناء جيشه، وفي الوقت نفسه تسمح للحكومة بتقديم صورة خارجية عن التقدم المحرز في عملية نزع السلاح بما يتماشى مع الأهداف المحددة".
وذكّر التقرير بأنه "خلال شهر آب 2025، تمّ اتخاذ قرار رسمي في لبنان بنزع سلاح حزب الله، وتم تأطيره من حيث مصادرة الأسلحة واحتكار الدولة للأسلحة، مصحوباً بجدول زمني لعملية نزع السلاح"، وأضاف: "إلا أنه خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2025، بدأ الخطاب يتغير تدريجياً ويصبح أكثر ليونة، وبدأت مصطلحات الاحتواء أو الحبس تحلُّ محل مصطلحات نزع السلاح والحصر".
وقال: "لقد تم تعريف مصطلحي احتواء الأسلحة أو تقييد الأسلحة على أنهما حالة يتم فيها تخزين الأسلحة، وعدم استخدامها، وعدم نقلها أو تهريبها، ووضعها تحت الإشراف - من دون مصادرتها. عملياً، هذا يعني أن الأسلحة تبقى في حوزة حزب الله وتحت سيطرته الكاملة".
وأوضح التقرير أنه "نزع السلاح السلبي كان من الاستراتيجيات الأخرى التي وردت في وثيقة للجيش اللبناني، وفقاً لمقال نُشر في المجلة اللبنانية الفرنسية لوريان"، ويضيف: "يتجنب هذا النهج المواجهة المباشرة مع حزب الله بشأن قضية الأسلحة، ويركز بدلاً من ذلك على منع التهريب من سوريا وتقييد نقل الأسلحة والمعدات داخل لبنان، بهدف تجفيف مخزونات الأسلحة لدى المنظمة على المدى الطويل".
وتابع: "في كانون الأول 2025، وفي ظل المخاوف من تصعيد التوتر مع إسرائيل نتيجةً لعدم وفاء الجيش اللبناني بالتزامه بنزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، بدأ خطاب الاحتواء يتبلور بين المسؤولين الأميركيين أيضاً. فعلى سبيل المثال، أشارت السفيرة الأميركية لدى لبنان، ميشيل عيسى، إلى أنه في حال تعذر نزع سلاح حزب الله، ينبغي تجميد الأسلحة بدلاً من ذلك، أي تركها في حوزة المنظمة وتخزينها دون استخدامها".
واستكمل: "لقد ساهمت التصريحات التي أدلى بها المبعوث الخاص، توم باراك، في تشرين الثاني 2025، والتي أشارت إلى أنه من غير المرجح أن تنجح الحكومة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، في تعزيز الخطاب داخل لبنان بشأن البدائل المخففة لنزع السلاح".
وأضاف: "في أوائل كانون الثاني 2026، وبعد إعلان الحكومة اللبنانية إتمام المرحلة الأولى من نزع السلاح جنوب نهر الليطاني، بدأت مناقشات حول تنفيذ المرحلة التالية، شمال الليطاني وفي بقية أنحاء البلاد. وأوضح المسؤولون اللبنانيون أنه في حين سيتم تطبيق سياسة سيطرة الدولة الحصرية على الأسلحة جنوب الليطاني، سيتم تطبيق سياسة احتواء شمال الليطاني وفي جميع أنحاء البلاد. ويشمل ذلك منع نقل الأسلحة وتهريبها واستخدامها، وليس نزع سلاحها أو مصادرتها من حزب الله. وفي هذا السياق، صرّح رئيس الوزراء نواف سلام قائلاً إننا ملتزمون بالخطة التي تشمل نزع السلاح جنوب الليطاني واحتواء الأسلحة في المناطق الأخرى".
وتابع: "كذلك، أكد وزير الإعلام اللبناني بول مرقص هذا النهج، مشيراً إلى أن الجيش اللبناني سيبدأ العمل على خطة لنزع السلاح شمال الليطاني، وهي مسألة ستتم مناقشتها في شباط 2026، بينما سيتم تطبيق مبدأ الاحتواء في بقية أنحاء البلاد بالتوازي. بدوره، تطرق وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي إلى هذه القضية في مقابلة مع معهد واشنطن، موضحاً أن الجيش اللبناني، نظراً لنقص الموارد والقوى البشرية، غير قادر على نزع سلاح حزب الله في آن واحد جنوب وشمال نهر الليطاني. وفي 12 كانون الثاني، أقرّ وزير الخارجية اللبناني بأن نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني لم يكتمل فعلياً (على الرغم من إعلان الحكومة اللبنانية انتهاء هذه المرحلة بنجاح)".
وتابع: "في ما يتعلق باستمرار العمليات شمال الليطاني، أشار إلى أن السياسة المتبعة في هذه المرحلة هي احتواء النشاط في الشمال، لكن هذا لا يغني عن نزع السلاح، وأنه مع بدء المرحلة الثانية، سيعمل الجيش على نزع السلاح في جميع أنحاء لبنان".
وأضاف: "يشير الخطاب الحالي بالتالي إلى تحول واضح في التوجه وهو الانتقال من دلالات ومصطلحات نزع السلاح الشامل إلى إطار دلالي تدريجي ومخفف، يهدف إلى إضفاء الشرعية على سياسة مخففة تلائم حزب الله. ويتمثل القصد والهدف في إضفاء الشرعية بأثر رجعي على السياسة المطبقة في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وتمهيد الطريق لسياسة مستقبلية في المراحل اللاحقة من العملية".
وقال: "على النقيض من الخط المخفف الذي يظهر داخل الحكومة اللبنانية وبين كبار المسؤولين الأميركيين، فإن حزب الله في الواقع يشدد لهجته ويقوي مواقفه. ورداً على قرارات الحكومة بنزع سلاحه، يُروج الحزب وأمينه العام نعيم قاسم لخطابات الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي، لا سيما في مواجهة ما يعتبرونه مصالح أجنبية تهدد لبنان. كذلك، يُطرح موضوع نزع السلاح كمشروع أميركي - إسرائيلي. ووفقاً للحزب، فإن التخلي عن الأسلحة سيؤدي إلى مزيد من المطالب والتنازلات من جانب لبنان. وبناءً على ذلك، يُقال إن كل من يدعو إلى نزع السلاح يخدم المشروع الإسرائيلي، سواء قصد ذلك أم لا".
وتابع: "في رواية حزب الله، لا تُصوَّر الأسلحة كمشكلة، بل كحل. ووفقًا لقاسم، لم تكن أسلحة المقاومة عبئًا على لبنان قط، بل كانت عنصراً أساسياً في دفاعه، فأمن لبنان وأمن مواطنيه مرهون بمقاومة العدوان الإسرائيلي. كذلك، يُصوِّر حزب الله إسرائيل على أنها مسؤولة عن عدم رغبة المقاومة في التخلي عن أسلحتها، ويقول إن الحزب سيبقى مسلحاً ما دام الاحتلال والتهديد قائمين - وهذا قرار لا رجعة فيه".
وأضاف: "يرفض قاسم بشكل قاطع أي إمكانية لنزع السلاح، ويؤكد أن أسلحة حزب الله خط أحمر، ولن نسمح لأحد بنزع سلاحها تحت أي ظرف من الظروف. كذلك، يقول قاسم إنه لا يمكن لأي حكومة، ولا دولة، ولا قرار دولي أن يجبرنا على التخلي عن أسلحتنا".
وأكمل: "رداً على تصريح وزير الخارجية اللبناني في 12 كانون الثاني، الذي أقر فيه حق إسرائيل في مواصلة ضرباتها ما لم يقم حزب الله بنزع سلاحه، هاجم قاسم الوزير في خطاب علني، متهماً إياه بالتلاعب بالسلم الأهلي والتحريض، قائلاً إن الوزير يتعاون مع إسرائيل ويحاول جر لبنان إلى حرب أهلية، وداعياً في الوقت نفسه الحكومة إلى إقالته أو إسكاته أو فرض سياسة لبنان عليه".
ووجد التقرير أنَّ "التحول في خطاب صناع القرار في لبنان، من سياسة الإقصاء ونزع السلاح إلى خطاب احتواء أكثر اعتدالاً، يشير إلى عدم وجود رغبة أو تصميم من جانب الحكومة اللبنانية على التحرك ضد حزب الله، وإلى توجه نحو (أو عودة إلى) خط تصالحي تجاه المنظمة".
وقال: "عندما ينعكس هذا التوجه أيضاً في تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين، فإن رواية حزب الله، التي تم التعبير عنها علناً بعبارات واضحة، تتعزز أكثر من خلال الإشارة إلى أن الأسلحة حق وليست مشكلة، وأن أسلحة المقاومة ليست عبئاً على لبنان، بل هي عنصرٌ من عناصر دفاعه، في حين أن الأسلحة ستبقى في أيدي حزب الله مهما كانت الظروف، بينما ليس للدولة سلطة في نزع سلاحها".
وختم: "بدلاً من اغتنام الفرصة لبذل جهد شامل لنزع سلاح حزب الله في كل أنحاء لبنان، تركز الحكومة اللبنانية على العلاقات العامة ومحاولات استرضاء جميع الأطراف - على حساب مسار عمل استراتيجي طويل الأجل".