يظهر تقرير "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي-IPC" في
لبنان للفترة بين تشرين الثاني 2025 وتموز 2026 صورة مزدوجة. هناك مؤشرات تحسّن مقارنةً بما سبق، لكن التوقعات تتجه إلى ارتفاع جديد مع عامل واحد يضغط بقوة، وهو تقلّص المساعدات في وقت لم تتغير فيه قدرة الناس على تحمّل كلفة المعيشة. فبين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026، يُقدّر عدد من هم في مرحلة "الأزمة" أو أسوأ بنحو 874 ألف شخص، بينهم 22 ألفاً في مرحلة "الطوارئ". وفي التوقعات للفترة من نيسان إلى
تموز 2026 يرتفع الرقم إلى 961 ألفاً، مع زيادة واضحة في مرحلة "الطوارئ" إلى 63 ألفاً.
هذه القفزة بحد ذاتها هي الرسالة الأساسية، تحسّنٌ يمكن أن ينقلب بسرعة إذا تراجعت شبكة الأمان. كل هذه الأرقام تترافق مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ توقيعه في تشرين الثاني 2024، والذي ساعد على عودة واسعة للنازحين وتحسن حركة الأسواق، مع استقرار نسبي في سعر الصرف وتباطؤ التضخم، وبقاء المساعدات عاملاً يخفف الصدمة عن الأسر الأكثر هشاشة. لكن هذه الأسباب لا تعني أن أساس المشكلة تغيّر. هي أسباب توقف التدهور السريع، لا أسباب تعافٍ فعلي. النقطة التي يجب أن تُفهم ببساطة هي التالية. كثير من العائلات في لبنان لا تعاني انقطاعاً كاملاً في الغذاء، لكنها لا تملك هامشاً مالياً. أي تغيير في الدعم أو الأسعار أو الدخل ينقلها فوراً من "تدبير الأمور" إلى "عدم القدرة". لذلك، عندما تشير الارقام إلى ارتفاع في أعداد مرحلة "الطوارئ" خلال 2026، فهذا يعني انتقال شريحة من الناس إلى وضع لا تكفي فيه الحلول الصغيرة مثل الاستدانة من الدكان أو تقليل الكميات، بل تبدأ معه مشكلات أشد مثل تراجع نوعية الطعام والتخلي عن مصاريف أساسية أخرى.
هنا يأتي العامل الأوضح، مسار المساعدات. فكما أشار "
لبنان24" في تقارير سابقة إلى توجّه نحو خفض المساعدات بشكل كبير للعديد من الموجودين على الأراضي
اللبنانية سواء أكانوا من مواطنين أو أجانب، فإنّه في آخر التوقعات للفترة من نيسان إلى تموز 2026، يشير التقرير إلى انخفاض كبير جداً في تغطية المساعدات لدى اللاجئين السوريين، وصولاً إلى مستوى متدنٍ، مع تنبيه إلى عدم وجود تمويل مؤكد بعد نيسان 2026، مع
العلم أنّ تراجع المساعدة لدى من يعتمدون عليها بصورة أساسية قد يدفعهم باتجاه مرحلة "الطوارئ". وبالتالي، فإنّ المعنى العملي لهذه العبارة بسيط. عندما تتوقف المساعدة أو تتقلص، لا تتراجع وجبة فقط، بل تتوسع المسافة بين ما يحتاجه المنزل وما يستطيع المواطن تأمينه، ثم تتحول الفجوة إلى ديون، ثم إلى حرمان.
وسط كلّ ما سبق، تبرز تكلفة الحياة اليومية في لبنان بحدّها الأدنى، كعامل آخر، قد يضع العديد من الأفراد أمام مصيرهم، إذ إنّ سلة الحد الأدنى للإنفاق لعائلة من خمسة أشخاص بلغت 509 دولارات في أيلول 2025، مع ضغط واضح من بنود غير غذائية مثل الكهرباء والصحة والإيجار. وهذا يعني أنّ العائلة قد تؤمن الطعام على حساب الدواء أو المدرسة أو التدفئة، ثم يتراكم الضرر بصمت.
وفي المقابل، يذكر التقرير تحسناً في وظيفة الأسواق مع مؤشر 7.8 من 10 في أيلول 2025، لكنه يلفت إلى فروقات بين المناطق. وهذه الفروقات هي التي تفسر لماذا تظهر "جيوب" أكثر هشاشة في خريطة التوقعات، ومن بين ما تم رصده هي مناطق
بعلبك الهرمل وعكار وبعبدا وزحلة وصيدا، التي من المتوقع أن ترتفع فيها أرقام الأسر المعرّضة للضغوط اكثر خلال المرحلة المقبلة، خاصة وأنّ مثل هذه المناطق تتأثر بسرعة عندما يضعف العمل أو ترتفع كلفة النقل أو تتراجع الخدمات، فتظهر الأزمة فيها أبكر من غيرها.