تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

عودة في أحد التهيئة للصوم الأربعيني: تدعونا الكنيسة إلى الوقوف وقفة العشار لا الفريسي

Lebanon 24
01-02-2026 | 05:22
A-
A+
عودة في أحد التهيئة للصوم الأربعيني: تدعونا الكنيسة إلى الوقوف وقفة العشار لا الفريسي
عودة في أحد التهيئة للصوم الأربعيني: تدعونا الكنيسة إلى الوقوف وقفة العشار لا الفريسي photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "تبدأ كنيستنا المقدسة اليوم، في أحد الفريسي والعشار، فترة التهيئة للصوم الأربعيني المقدس، وهي لا تدعونا إلى مجرد تغيير في نمط الحياة أو في نوع الطعام، بل تقودنا إلى فحص عميق للقلب والنفس. فالصوم، في المفهوم الأرثوذكسي، ليس ممارسة حرفية ولا واجبا تقليديا، بل هو مسيرة توبة وعودة إلى الله، وتجديد للإنسان في عمق كيانه. لذا تبدأ الكنيسة هذا الزمن بمثل يكشف خطر التدين الشكلي ويعلن طريق التبرير الحقيقي، لأن البر ليس مسألة بديهية تنشأ من بعض الأعمال الصالحة بل تحرير للنفس من الغرور الناتج من الإقتناع بالبر الشخصي كالفريسيين. إنجيل اليوم يضع أمامنا شخصيتين متناقضتين: فريسيا وعشارا. الفريسيون كانوا يحافظون على الشريعة ويطبقونها بحذافيرها، متعلقين بالمظاهر، فيما كان العشارون، جباة الضرائب لصالح السلطة الرومانية، منبوذين من اليهود لتجاوزهم صلاحياتهم وظلم اليهود".



أضاف: "يخبرنا الرب يسوع أن الإثنين صعدا إلى الهيكل ليصليا. كلاهما وقف أمام الله، لكن القلبين مختلفان، والروح التي تحرك كل واحد منهما متناقضة. الفريسي وقف واثقا مفاخرا بنفسه، وبدأ صلاته بالشكر، ليس لأن الله رحيم وصالح، بل لأنه يرى نفسه بارا مقارنة بالآخرين. شكر الله على حسناته لا على عطايا الله. سرد أعماله: صومه، وعشوره، والتزامه بالشريعة، وأبرز تميزه عن باقي الناس، محتقرا العشار الواقف إلى جانبه ومطلقا عليه الأحكام: «أللهم أشكرك لأني لست كسائر الناس الخطفة الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشار». أما العشار «فوقف عن بعد ولم يرد أن يرفع عينيه إلى السماء» لأنه عرف ثقل خطيئته، وقرع صدره قائلا: «أللهم ارحمني أنا الخاطئ». إنها صلاة قصيرة، بلا تبرير للذات، ولا مقارنة مع أحد، ولا ادعاء بالإستحقاق، بل اعتراف صريح بالحاجة إلى رحمة الله. فجاء إعلان الرب: «إن هذا نزل إلى بيته مبررا دون ذاك لأن كل من رفع نفسه اتضع ومن وضع نفسه ارتفع».



وتابع: "في هذا المثل لا يرفض الرب الصوم ولا الصلاة ولا الأعمال الصالحة، بل يرفض الكبرياء المقنعة بثوب التقوى، ويدحض المفهوم التقليدي للبر الذي يرتكز فقط على الأعمال الحسنة في الظاهر. هذا لا يعني إهمال الأعمال الصالحة النابعة من قلب متواضع. فالفريسي لم يدن لأنه صام، بل لأنه جعل من صومه سببا لتمجيد ذاته وإدانة أخيه. هنا يكمن خطر التدين الذي يفرغ العبادة من روحها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن «الصلاة التي لا يرافقها تواضع لا تصعد إلى السماء، بل تعود إلى صاحبها فارغة». كم فريسي نصادف في حياتنا ينسون أن من يبرر أو يدين هو الله وحده، فينصبون أنفسهم ديانين لإخوتهم أو للمسؤولين، أو يعتبرون أنفسهم حماة عن الكنيسة، فيما مؤسس الكنيسة نفسه قال: «لا تدينوا لئلا تدانوا»؟ لو يقرأ أولئك رسائل القديس إغناطيوس الأنطاكي سيتعلمون أن عليهم الإلتفاف حول أسقفهم أو رئيسهم أو كبيرهم، لا إدانته، وهذه ظاهرة تنتشر في وطننا، ولا تنبئ إلا بنشوء فريسية جديدة مقنعة بثوب التدين والحفاظ على العقيدة، أو الذود عن الوطن أو الجماعة، وكأن هؤلاء يبذلون نفوسهم عن الرعية أكثر من رعاة قطيع المسيح، أو عن الوطن أكثر ممن أقسموا على الحفاظ عليه. حبذا لو يعود الفريسيون المعاصرون إلى رشدهم، ويطلبوا الإستنارة الإلهية والتوبة الصادقة قبل دخول معترك الصوم".



وقال: "تعليم إنجيل اليوم يلتقي بوضوح مع ما كتبه الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس في رسالته الثانية. فبعدما ذكره بالإضطهادات والآلام التي احتملها، دعاه إلى الثبات فيما تعلمه منه ومن الكتب المقدسة التي عرفها منذ حداثته، القادرة أن تجعله حكيما للخلاص. الرسول بولس لا يفاخر بجهاده، ولا يقدم نفسه مثالا ليتعالى، بل يشهد للنعمة العاملة في الضعف. هنا يظهر الفرق بين روح الفريسي، مدعي الإيمان، المتفاخر، المنتفخ الأنا، وروح التلميذ الحقيقي الشاكر الله على عطاياه. الفريسي يعرف الناموس لكنه لا يعرف نفسه. أما تيموثاوس، فيدعى إلى معرفة الحق التي تبدأ بالتواضع، وتستمر بالثبات والصبر والمحبة. لذلك، يقول الرسول إن «جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون، أما الأشرار والمغوون من الناس فيزدادون شرا، مضلين ومضلين»، لأن الحياة بحسب الإنجيل ليست كبرياء واستعراضا للبر وليست إدعاء ومظاهر خداعة، بل حمل صليب وشهادة صادقة، حياة تختبر في الأمانة لله وسط الصعوبات".



أضاف: "يؤكد الآباء القديسون أن الكبرياء هي الجذر الخفي لكل خطيئة، وأنها الخطيئة الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان رؤيتها في نفسه. يقول القديس مكاريوس الكبير إن «الكبرياء تخدع الإنسان فتجعله يظن أنه قريب من الله فيما هو بعيد عنه». أما التواضع فهو الحقيقة التي تعيد الإنسان إلى موضعه الصحيح أمام الله، لا كعبد خائف، بل كابن محتاج إلى الرحمة. لذا يسمي الآباء فضيلة التواضع أم الفضائل. من هنا نفهم لماذا تضع الكنيسة هذا الأحد في بداية الإستعداد للصوم الكبير وتعلن فيه أن الصوم لا يبدأ من المائدة، بل من القلب. فالصوم الذي لا يرافقه انكسار وتواضع وتوبة، ولا يثمر رحمة ومحبة وعطاء، ولا يطهر النفس من الكبرياء والإفتخار والإدانة، هو صوم فريسي، وليس صوم الإنجيل. لذلك تلغى في هذا الأسبوع كل قوانين الصوم، لا تهاونا، بل تذكيرا بأن الأساس ليس التعلق بالحرف والتشدد الظاهر، بل التواضع والصدق والرحمة والوداعة. يقول القديس إسحق السرياني إن «من عرف خطاياه أعظم ممن يقيم الموتى» لأن معرفة الضعف تفتح باب الرحمة. العشار لم يبرر نفسه ولم يطلب حقا، بل طلب رحمة ونال التبرير. هكذا يعلمنا الرب أن الطريق إلى القيامة يمر دائما عبر التوبة. ولكي نعيش دوما طالبين القيامة اختارت كنيستنا أن تكون صلاة العشار هي التي نتلوها ونسجد أمام الرب بانسحاق كلي".



وختم: "فيما نتهيأ للدخول في الصوم الأربعيني المقدس، تدعونا الكنيسة إلى الوقوف وقفة العشار لا وقفة الفريسي، وأن نراجع ذواتنا لا أن نحصي خطايا الآخرين، وأن نثبت، كما يقول الرسول بولس، في التعليم الذي تسلمناه، وفي كلمة الله التي تنير القلب، وتوقظ الضمير، وتقود إلى الخلاص. ولنتذكر دائما أن كل ما لنا معطى لنا من الله لا لاستحقاقنا بل محبة منه. ولنقتد بكلام الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: «استمر أنت على ما تعلمته وأيقنت به عالما ممن تعلمت، وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تصيرك حكيما للخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع» فننجو من فخ الزهو والكبرياء ويكون انسجام بين سلوكنا الخارجي وتجاوبنا مع النعمة التي يغدقها الله علينا".
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك