تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

الأمطار تهطل… لماذا لا يزال شبح الجفاف حاضرًا؟

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
02-02-2026 | 02:30
A-
A+
الأمطار تهطل… لماذا لا يزال شبح الجفاف حاضرًا؟
الأمطار تهطل… لماذا لا يزال شبح الجفاف حاضرًا؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
مع تقدّم فصل الشتاء وما حمله حتى الآن من أمطار وثلوج أعادت بعض الأمل للبنانيين بعد سنوات من الشح المائي، عاد السؤال ليُطرح بإلحاح: هل يتّجه لبنان فعليًا إلى تجاوز مرحلة الخطر المائي، أم أنّ الجفاف ما زال يلوح في الأفق رغم التحسّن المسجّل؟
القراءة العلمية والواقعية للمشهد المائي تشير إلى أنّ التحسّن الحالي لا يمكن اعتباره خروجًا نهائيًا من أزمة الجفاف، بل هو تحسّن موسمي مشروط، في ظل استمرار العوامل البنيوية والمناخية التي راكمت الأزمة خلال السنوات الماضية.
 
أرقام الأمطار: تحسّن نسبي… دون الاكتمال

تُظهر أرقام مصلحة الأرصاد الجوية أنّ كمية المتساقطات المسجّلة حتى الآن جاءت قريبة من المعدّل التراكمي في بعض المناطق. فقد بلغ مجموع الأمطار في طرابلس نحو 450.8 ملم، مقابل 285.6 ملم في بيروت و275.8 ملم في زحلة.
في المقابل، يبلغ المعدّل العام للأمطار حتى هذا التاريخ حوالي 476 ملم في طرابلس، و470 ملم في بيروت، و357 ملم في زحلة.
تعكس هذه الأرقام تحسّنًا واضحًا مقارنة بالموسم الماضي، لكنها تُظهر في الوقت نفسه تفاوتًا مناطقيًا، ولا سيما في البقاع، ما يحول دون اعتبار الموسم مكتملًا أو كافيًا للخروج من دائرة الخطر.
 
موسم أفضل… لكن الحساب لم يُحسم بعد

حتى الآن، سجّل شتاء 2026 أداءً أفضل من الموسم السابق، واقترب في بعض المناطق الساحلية من المعدلات السنوية الطبيعية. ويؤكد الصحافي المتخصص في القضايا البيئية مصطفى رعد، في حديث لـ"لبنان٢٤"، أنّ كمية الأمطار بلغت نحو 90% من المعدّل مقارنة بالسنة الماضية، مشيرًا إلى أنّ شهري شباط وآذار قد يعوّضان جزءًا من النقص المسجّل في بداية الموسم.
إلّا أنّ هذا التحسّن يأتي بعد سنوات متتالية من الشح المائي، ما جعل المخزون الجوفي والسدود والأنهر يبدأ الموسم عند مستويات متدنية جدًا، الأمر الذي يقلّص أثر أي تحسّن مرحلي.
 
أمطار غزيرة… واستفادة محدودة

بحسب رعد، لا تكمن المشكلة في كمية الأمطار وحدها، بل في طبيعتها وتوزّعها الزمني. ففي السنوات الأخيرة، باتت الهطولات تميل إلى الطابع الطوفاني، حيث تهطل كميات كبيرة خلال أيام قليلة بدل أن تتوزّع على أشهر الشتاء، ما يؤدي إلى جريان سطحي سريع يُهدر جزءًا كبيرًا من المياه ولا يسمح بتغذية فعّالة للمياه الجوفية.
ويُضاف إلى ذلك تأثير الربيع المبكر وارتفاع درجات الحرارة، اللذين يرفعان معدلات التبخّر ويحدّان من الاستفادة الفعلية من المتساقطات.
 
الثلوج… الحلقة الأضعف في المعادلة

ويضيف أن أحد أبرز عناصر أزمة الجفاف يتمثّل في تراجع مدة بقاء الثلوج على المرتفعات. ففي السابق، كانت الثلوج تبقى لأكثر من 90 إلى 100 يوم، ما يسمح بتغذية الخزانات الجوفية تدريجيًا حتى مطلع الصيف. أمّا اليوم، فقد تقلّصت هذه المدة إلى ما بين 30 و35 يومًا فقط.
هذا التراجع يؤثر مباشرة على تغذية نحو 55 خزانًا جوفيًا يعتمد عليها لبنان، ويرتبط بتغيّر المناخ الذي جعل الشتاء أقصر وأكثر تطرفًا وأقل قدرة على لعب دوره كمخزون مائي طبيعي طويل الأمد.
 
أزمة الجفاف… أزمة حوكمة قبل كل شيء

لا تختزل أزمة المياه في لبنان بالمناخ وحده، بل تنطلق أساسًا من غياب مشروع وطني لإدارة مورد استراتيجي. فالهطولات المطرية، رغم تراجع انتظامها في السنوات الأخيرة، لا تزال مرتفعة نسبيًا مقارنة بدول الجوار، كما أنّ الأنهار والأحواض الجوفية والينابيع تنتشر على امتداد البلاد.
غير أنّ هذه الوفرة الطبيعية لم تتحوّل يومًا إلى أمن مائي فعلي، بسبب فشل الدولة تاريخيًا في بناء منظومة متكاملة للتخزين والتجميع وإعادة الاستخدام، وتركها الجزء الأكبر من مياه الأمطار يذهب هدرًا عبر الجريان السطحي نحو البحر، من دون استثمار فعلي في السدود الصغيرة، أو الحصاد المائي، أو البنى التحتية الذكية.
 
تلوّث وهدر وفرص ضائعة
إلى جانب ذلك، بات تلوّث المياه مشكلة بنيوية تطال الأنهار والمياه الجوفية على حد سواء، نتيجة غياب شبكات صرف صحي فعّالة، وتعطّل أو ضعف عمل محطات المعالجة التي أُنشئت بتمويل خارجي ثم تُركت من دون صيانة أو تغذية كهربائية مستقرة.
هذا الفشل حرم لبنان من إمكانات استراتيجية لإعادة استخدام المياه في الزراعة والصناعة، وراكم في المقابل مخاطر صحية وبيئية جسيمة، حوّلت جزءًا كبيرًا من الموارد المائية إلى عبء بدل أن تكون رافعة تنموية.
 
ان استمرار خطر الجفاف، ولو بوتيرة أقل، ينعكس مباشرة على الزراعة، لا سيما في البقاع والشمال، حيث ترتفع كلفة الري ويتراجع الإنتاج. كما يدفع المزيد من الأسر إلى الاعتماد على صهاريج المياه الخاصة، ما يشكّل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا في ظل أوضاع معيشية ضاغطة.
 
تحسّن قائم… لكن الخطر لم يُرفع
مع استمرار فصل شتاء ، يمكن القول إنّ لبنان يشهد تحسّنًا مائيًا نسبيًا مدعومًا بالأرقام، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة الأمان المائي. فالموسم لم يُستكمل، والتفاوت المناطقي في المتساقطات، إلى جانب ضعف التخزين وسوء الإدارة والتلوّث، تبقي خطر الجفاف قائمًا وإن بدا مؤجّلًا.
ومن دون إدارة علمية شاملة للمياه، واستثمار فعلي في البنى التحتية، والاستعداد لواقع مناخي أكثر قسوة، سيبقى كل تحسّن موسمي مجرّد هدنة مؤقتة مع أزمة لم تُحل بعد.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi