في ظل الحراك الدبلوماسي المتسارع بين
واشنطن وطهران، والحديث عن مفاوضات محتملة في سلطنة عمان يوم الجمعة برعاية إقليمية ودولية، بعد موافقة الإدارة الأميركية على طلب
إيران نقل المحادثات من تركيا الى سلطنة عمان، يعود الملف النووي
الإيراني إلى صدارة المشهد السياسي في
الشرق الأوسط. هذا الحراك لا يقتصر تأثيره على الطرفين المعنيين مباشرة، بل ينعكس بوضوح على حلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدمتهم
حزب الله، الذي يجد نفسه اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من الحذر والترقّب.
وأجرى مبعوث واشنطن الخاص، ستيف ويتكوف، أمس محادثات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في إطار تنسيق المواقف بشأن الملف الإيراني. ويأتي ذلك بالتزامن مع الاعلان عن لقاء مرتقب في سلطنة عمان بين ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لإحياء المسار التفاوضي وتخفيف احتمالات اندلاع مواجهة إقليمية جديدة.
وتعكس هذه التحركات، إلى جانب التسريبات حول مشاركة دول عربية وإقليمية في المسار التفاوضي، وجود رغبة دولية في احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. غير أن واشنطن، رغم انخراطها في المسار الدبلوماسي، لم تتخل عن سياسة الضغط، إذ حذر الرئيس الأميركي من عواقب خطيرة في حال تعثرت المفاوضات، مشيراً إلى إرسال قطع بحرية عسكرية إلى المنطقة، في رسالة واضحة بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً.
في المقابل، تصر طهران على التمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم، وترفض نقل المواد النووية إلى الخارج، لكنها تبقي الباب مفتوحاً أمام خفض نسب التخصيب في مقابل مكاسب سياسية واقتصادية واضحة. وتؤكد مصادر إيرانية أن أي اتفاق محتمل لن يكون تنازلاً مجانياً، بل تسوية تقوم على تبادل المصالح وضمانات متبادلة.
وفي هذا الإطار، كشفت تقارير عن شروط أميركية صارمة لاستئناف المحادثات، تتضمن وقف التخصيب داخل إيران، وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الحلفاء الإقليميين. وهي شروط ترى فيها طهران مساساً بسيادتها وأمنها القومي، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تفاهم شامل.
وتشير مصادر أميركية إلى أن المفاوضات الجارية اليوم تختلف جذرياً عن مفاوضات عام 2015 التي أُبرمت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. فواشنطن باتت تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد رئيسي للاستقرار الإقليمي، بينما تربطها علاقات جيدة ومصالح مع دول العالم السنّي.
وترى هذه المصادر أن أي اتفاق محتمل حول الملف النووي سيؤدي إلى تقليص قدرة طهران على دعم أذرعها العسكرية في المنطقة، وفي مقدمتها حزب الله. غير أن القلق الأساسي يكمن في احتمال منح
الولايات المتحدة ضوءاً أخضر لإسرائيل لتنفيذ ضربات عسكرية ضد الحزب، مستفيدة من تراجع الغطاء السياسي الذي كانت تؤمّنه التفاهمات السابقة. ففي حين كانت التفاهمات الأميركية–
الإيرانية السابقة تتضمن، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضوابط تحمي حلفاء طهران من الضغوط العسكرية والتصعيد الواسع، يبدو أن هذه المعادلة قد انتفت اليوم. وباتت الساحة الإقليمية أكثر انكشافاً، مع هامش أوسع لإسرائيل للتحرك وفق حساباتها الأمنية والعسكرية، في ظل غياب مظلة ردع سياسية واضحة.
وتشير بعض التقديرات على مستوى ملف البرنامج النووي إلى احتمال اعتماد صيغة تقوم على تخصيب محدود وتحت إشراف دولي أو روسي، مع ضمانات تمنع الوصول إلى السلاح النووي. غير أن ملف الصواريخ يبقى العقدة الأساسية في أي تسوية، لما يمثله من عنصر ردع استراتيجي بالنسبة لإيران وحلفائها، وما يثيره من مخاوف لدى
إسرائيل والغرب. ومن هنا، تسعى واشنطن إلى إدراجه ضمن أي تفاهم مستقبلي، ما يجعل المفاوضات أكثر حساسية وتعقيداً.
ضمن هذا السياق، يعيش حزب الله حالة انتظار حذرة، إذ إن نتائج هذه المفاوضات سترسم ملامح المرحلة المقبلة بالنسبة له ولحلفاء إيران الآخرين. فغياب الاتفاق يبقي شبح الضربات العسكرية قائماً، سواء عبر تصعيد إسرائيلي مباشر أو من خلال مواجهة إقليمية واسعة، ما يضع الحزب في قلب العاصفة.
ورغم أن بعض المراقبين يرى أن التوصل إلى اتفاق قد يمنح الحزب هامشاً أوسع للحركة، عبر تخفيف الضغوط الدولية وتقليص احتمالات الحرب، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في بيئته الحاضنة. غير أن هذا الطرح ليس دقيقا، تقول مصادر أميركية، إذ أن الولايات المتحدة تربط الملف النووي بالدور الإقليمي لإيران وحلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله. وبالتالي، فإن أي تفاهم جديد لن يكون تفويضاً مفتوحاً، بل إطاراً منظماً ومشروطاً .
وفي هذا السياق، يبرز سيناريو أكثر واقعية يتمثل في محاولة تقليص نفوذ الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة، عبر الحد من الدعم العسكري، وضبط القدرات الصاروخية، ودفع الحلفاء نحو التركيز على العمل السياسي. وقد يجد"حزب الله" نفسه أمام ضغوط مباشرة لإنهاء حضوره العسكري، وتعزيز دوره السياسي، وتجنب الانخراط في مواجهات إقليمية واسعة.
في المحصلة، يقف "حزب الله" اليوم أمام مفترق طرق يرتبط بشكل وثيق بمآلات التفاوض الإيراني–الأميركي. فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة ترتيب لتوازنات دقيقة، حيث تبدو التسويات الحالية مؤقتة، هدفها إدارة الصراع وتأجيل انفجاره، أكثر مما هي حلول نهائية له.