كتب محمد فحيلي في"النهار": لا يمكن مقاربة النقاش الدائر حول ذهب لبنان بمعزل عن السجل الكامل للسياسات النقدية والمالية التي حكمت البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية. فالتردّد الحالي في المساس بالذهب يُقدَّم غالباً بوصفه "حكمة" أو "تحوّطاً سيادياً". غير أن هذه القراءة تُغفل حقيقة أساسية: هذا التردّد هو في جوهره نتاج فشل مؤسسي عميق استنزف كل ما عداه من أصول وثقة وضمانات عامة. لقد استُبدلت الإصلاحات بالتأجيل، والانضباط المالي بالهندسة المحاسبية، والملاءة الحقيقية بسرديات تطمين.
جرى الدفاع عن تثبيت سعر الصرف بعدما فقد مبرّراته الاقتصادية، وتراكم الدين العام بلا نموذج نموّ، وتضخّمت ميزانيات المصارف بغطاء تنظيمي متساهل لا برؤوس أموال حقيقية. وعندما أصبحت الخسائر غير قابلة للإنكار، لم يُعترف بها ولم تُوزّع، بل جرى إخفاؤها وترحيلها. ما نتج لم يكن أزمة مالية فحسب، بل كان انهياراً في المصداقية: ودائع جُمّدت بدل أن تُعاد هيكلتها، عملة دُمّرت بدل أن تُصحّح، وثقة عامة استُهلكت بدل أن تُستعاد. في هذا السياق، يبدو ذهب لبنان كأنه الأصل
الوحيد الذي لم تُمدّ إليه يد العبث، لا لأن الدولة كانت رشيدة، بل لأن الشلل السياسي حلّ محلّ الإفراط في
استخدام السلطة. من هنا، لا يمكن فصل سؤال "هل نبيع
الذهب؟" عن سؤال من أهدر ما سواه؟ فالذهب لا يُحفَظ اليوم لقوة المؤسسات، بل لضعفها. والامتناع الحالي عن بيعه يعكس الخوف من تكرار الأخطاء، لا الثقة بالحوكمة القائمة. تنطلق هذه الورقة من فرضية بسيطة وصارمة: الدولة التي بدّدت مصداقيتها النقدية وطاقتها المالية لا تستطيع افتراض أن أصلها الأخير سيكون بمنأى عن المصير نفسه ما لم تتغيّر قواعد
الحوكمة أولاً.
لا يحافظ الذهب على قيمته إلا إذا توفّرت ثلاثة شروط متزامنة:
• الاعتراف الصريح بالخسائر وتوزيعها قانوناً؛
• تحصين عائدات الذهب قانونياً ومنع استخدامها التقديرية؛
• ربط أي استخدام بنتائج بنيوية قابلة للتحقق، لا بحاجات تمويلية قصيرة الأجل.
ثانياً: صحيح أن بيع الذهب اليوم، في ظل الواقع القائم، سيكون خطوة متهوّرة. لكن الإبقاء عليه إلى أجل غير مسمّى ليس خياراً بلا كلفة. فالإمكانية، بطبيعتها، تتآكل مع الزمن؛ وكلما طال الشلل المؤسسي، تراجعت قدرة
الدولة على تحويل الأصول إلى نفوذ تفاوضي، أو مصداقية، أو زخم إصلاحي.
تحوّل عدم بيع الذهب تدريجاً إلى ملاذ سياسي. فهو يتيح للسلطة الإيحاء بالحذر، من دون مواجهة الاستحقاق الأصعب: إعادة بناء الحوكمة. وهكذا، يصبح الذهب بديلاً من القرار، لا أداة للخروج من الأزمة..
الخطر ليس أن يُباع الذهب غداً، بل أن يُباع
بعد سنوات، في ظروف أسوأ، وبقدرة تفاوضية أضعف، وبعد تآكل ما بقي من مؤسسات، فيصبح الحفاظ عليه اليوم بلا معنى فعلي.
ثالثاً: لا ينبغي النظر إلى ذهب لبنان كأداة سياسات، بل كاختبار حوكمة.
التحدّي الحقيقي ليس تقرير مصير الذهب، بل إعادة بناء الدولة التي تجعل لهذا القرار معنى.