تتقاطع أزمة المساعدين القضائيين مع تحرّك القضاة عند نقطة واحدة: "تشغيل العدالة" صار أصعب من إصدار الأحكام. فبعد إعلان المساعدين القضائيين الإضراب، أعلن نادي قضاة لبنان "توقفًا تحذيريًا" عن العمل ليوم واحد، تزامنًا مع مناقشة مشروع موازنة 2026، واضعًا الرواتب واللوجستيات في صلب المواجهة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية. البيان لم يكتفِ بسرد مطالب، بل قدّم اتهامًا سياسيًا مباشرًا عبر توصيف تجاهل السلطة بأنه غير مبرّر "ومشبوه"، رابطًا ما يجري اليوم بتجربة قريبة حين تعذّر على القضاة العمل أساسًا بسبب نقص الموارد والحد الأدنى من متطلبات التشغيل داخل قصور العدل.
ضغط الموازنة.. والاعتمادات "الرمزية"
المواجهة هنا لا تدور حول تحسين دخل فئة وظيفية فقط، بل حول سقف التمويل المخصّص لمرفق العدالة ضمن الموازنة العامة. بيان النادي يذهب إلى حدّ القول إن الاعتمادات المرصودة لوزارة العدل وما يتفرّع عنها هي اعتمادات "صورية"، ويحمّل مجلس النواب والحكومة مسؤولية تصحيح المسار. في المقابل، لم يعد إضراب المساعدين تفصيلاً قابلاً للاحتواء سريعًا. فقد أعلنت بيانات متتابعة تمديد "الاعتكاف الشامل" في بداية شباط مع استثناء معاملات الموقوفين وبعض المهل الضيقة، في مؤشر إلى محاولة موازنة الاحتجاج مع منع الانقطاع الكامل عن الملفات الحساسة. هذه الاستثناءات بحد ذاتها تعكس خطورة المأزق: عندما تُجبَر العدالة على العمل "بالحد الأدنى"، يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتتراكم آلاف الملفات العادية (مدنية، تجارية، تنفيذ، أحوال شخصية…) خلف أبواب المحاكم.
مصدر قضائي لـ"لبنان24": المشكلة ليست رواتب فقط
في هذا السياق، قال مصدر قضائي لـ"لبنان24" إن التوقف التحذيري "ليس هدفه تعطيل البلد بقدر ما هو إنذار أخير قبل سقوط انتظام العمل بالكامل"، مشيرًا إلى أن
النقاش العام يركّز على الرواتب فيما الجزء الأخطر هو "اللوجستيات التي باتت تحسم إن كانت المحكمة قادرة على فتح أبوابها أصلًا".
وأضاف المصدر: "عندما تغيب أبسط مقومات التشغيل، من كهرباء واتصالات وقرطاسية ونقل، لا يعود الحديث عن إنتاجية أو سرعة محاكمات. يصبح السؤال: هل تستطيع الدائرة أن تنعقد؟ وهل يمكن للكاتب أن ينجز عمله؟ وهل يمكن تبليغ الخصوم ضمن المهل؟". وأشار إلى أن التضامن بين القضاة والمساعدين "ليس شعارًا"، بل ضرورة لأن أي حلٍ جزئي سيعيد الأزمة من باب آخر، فرفع رواتب من دون تشغيل قصور العدل لن يعيد العدالة،وتشغيل من دون إنصاف معيشي يفتح الباب أمام نزف الكفاءات وتعميق الإحباط داخل المرفق".
وعن دعوة نادي القضاة نقابتي المحامين إلى رفع الصوت، لفت المصدر إلى أن هذه الدعوة "تُترجم واقعًا معروفًا ألا وهو أنّ العدالة منظومة واحدة. إذا توقّف جزء منها، تعطّلت السلسلة كلها"، وهو ما ينسجم مع ما أعلنه النادي لجهة طلب التضامن والضغط المتوازي.
الرسالة الأساسية المُراد تثبتيها هي أن الأزمة لم تعد قابلة للتسكين بإجراءات شكلية، وأن المطلوب قرار مالي ـ إداري يعيد تثبيت الحد الأدنى من رواتب العاملين في
القضاء وتأمين تشغيل قصور العدل. فالامر لم يعد متوقفا عند القضاء فقط، والحكومة باتت أمام اختبار حقيقي يترجم العناوين والشعارات التي وعدت بها الناس منذ سنة تقريبا.