كتب فادي بو راشد الأستاذ في كلّية اللاهوت والدراسات الرعائية
في الجامعة الأنطونية:
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب وتتشظّى فيه القيم، تفرض التحوّلات المعاصرة مسألةً جوهريّة تتمثّل في تحديد الثقافة التي توجّه إنسان يومنا الحاضر: أهي ثقافة الحياة أم ثقافة الموت؟ ولا يخفى على أحد أنّ الصراع الدائر في العالم ليس سياسيًا أو عسكريًا فحسب، بل هو في جوهره صراعُ رؤى متباينة للإنسان ولمعنى وجوده، ودوره في التاريخ. وعلى هذا الأساس، تتجلّى الحاجة الملحّة إلى البحث المتواصل في الأسس الأنثروبولوجيّة والروحيّة القادرة فعلًا على إرساء ثقافةٍ تتجاوب مع الإنسان في واقعه الملموس وتستجيب لتحدّيات عالمه المتحوّل. ولإظهار البُعد العملي لهذا الصراع بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، نستحضر بدايةً نموذجًا حيًّا من التاريخ الحديث يكشف بوضوح حقيقة هذه المواجهة وبُعدها الإنساني المقلق.
1- قضية المُنطلقات
في الثاني عشر من تشرين الأوّل سنة 1936، ألقى الجنرال الإسباني ميلان آستراي خطابًا في جامعة سَلَمَنكا، بحضور الفيلسوف والأديب ميغيل دي أونامونو الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الجامعة. وخلال خطابه المذكور، ردّد آستراي مع عدد من مؤيّديه، شعاره المألوف: «عاش الموت!» مما استدعى تدخل أونامونو الذي قاطعهم قائلاً: «لقد سمعنا الآن رجلاً يمجّد الموت ويهتف له»؛ غير أنّ ردّ آستراي جاء مدوّيًا: «فليسقط الفكر، وليعش الموت!». لم تكن هذه الحادثة مجرد واقعة تاريخية، بل نموذجًا رمزيًّا دائمًا للصراع بين منطق تمجيد الموت من جهة، ومنطق الدفاع عن الحياة من جهة أخرى. ولقد دفع أونامونو حياته المهنية ثمن هذا الموقف، إذ مات سجينًا في الإقامة الجبريّة بعد شهرين من تلك الحادثة. ولاريب في أنّ الواقعة هذه تؤكد كيف تسقطُ أحيانًا صروح الفكر ومحبة الحياة أمام محبة الموت وظلامه. كما تُبرز كيف يُحَطَّم المنطق بهمجيّة القوّة وعبثيّة ظلاميتها. ومما لا شك فيه، أن أمثلةً من هذا القبيل لن تكون الأولى ولا الأخيرة طالما أن بذور محبة الموت ((Necrophilia ومحبة الحياة Biophilia)) ستبقى كامنة في أعماق نفوسنا. ولا يمكن حصر المعضلة في إطار سياسي، أو عسكري، أو اقتصادي، أو حضاري بحت، لأن جذور محبة الحياة ومحبة الموت، تعود إلى أبعد بكثير من الواقع المجتمعيّ حيث يلتقي الناس ويتفاهمون أو يتصادمون. فقضية ثقافة الحياة أو عدمها تبقى أبدًا لصيقة الأنثروبولوجيا والدين وأنماط الفكر والأخلاقيات أيضًا. وغالبًا ما تشكّل واقعًا حياتياً يتحوّل مع مرور الزمن إلى حالة ثقافية تَسِمُ فئة أو منطقة بشرية محدّدة بميول إلى محبة الحياة أو خنقها. يكفي مثلاً، مطالعة بعض المؤلفات على غرار The Clash of Civilizations لنعيَ حقيقة ذاك التوجّس من نمو ديانة ما أو صعود قوى جديدة وتقدير ما سينتج عن ذلك من صراعات محتملة. من هذا المنطلق، يصبح من الصعوبة بمكان، وفي مجتمعٍ تعدّديّ ومتناحر أحيانًا، حيث لا يتّفق الناس ولا يُجمعون على مفهومٍ واحدٍ لمعنى الحياة، أن يلتقوا حول ماهيّة ثقافتها. فإن كانت المنطلقات الفكريّة للكلام على الحياة مختلفةً في أُسُسها، فإنّ النتائج في مدلولات ثقافة الحياة ستأتي متباينةً أيضًا.
وإذا أمعنّا النظر في العديد من التيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة، ولا سيّما في بعض أطر الفكر الغربيّ الآخذة في الابتعاد شيئًا فشيئًا عن المفاهيم المسيحيّة التي شكّلت أرضيّتها لقرونٍ طويلة، سنلحظ كيف أنّ المنطلقات المتباينة في التفكّر حول مفهوم الحياة، ستحدّد حتمًا هويّة ثقافتها. فالوجوديّة الملحدة، على سبيل الذِكر لا الحصر، شدّدت على عبثيّة الحياة، بينما يرى آخرون أنّ الحياة عطيّةٌ لها غايتها. فبين من يرى الوجود «عيشًا للموت» يتّصف بالكرب والنغصة (Angst)، على حدّ تعبير هيدغر، أو سيرًا نحو غرقٍ نهائيٍّ محتوم (شوبنهاور)، ومن يرى في الوجود نعمةً للخلاص بالإيمان (كيركيغارد)، فرقٌ بيّنٌ للغاية. فمن ينطلق من أرضيّةٍ قائمةٍ على النغصة والغرق في تصوراته للحياة، لن تتقاطع طريقه مع من ينطلق من رؤية تقوم على مفهوم النعمة والعطيّة. ومن الطبيعيّ أن ينعكس هذا الاختلاف على مفهوم ثقافة الحياة نفسها. من هنا يبرز السؤال الجوهري: أيّ رؤية للإنسان قادرة على تأسيس ثقافة حياة متماسكة وراسخة؟ هنا تتقدّم الرؤية المسيحية بإجابتها الأنثروبولوجيّة الخاصة إذ تقدّم لإنسان اليوم أساسًا يعزّز فيه محبّة الحياة والتكرّس لخدمتها.
2- المسيحيّة وثقافة الحياة
أولًا: الأنثروبولوجيا الكتابية إزاء تحولات ثقافة الحياة المعاصرة.
إذا كانت المنطلقات الفكرية المتنوعة تفضي إلى تصوّرات متباينة بشأن الحياة، فإن الأنثروبولوجيا الكتابية واللاهوت المسيحي يقدّمان أساسًا متميّزًا لفهمها وتجاوز تناقضاتها. كما أنّه، بالنسبة إلى المسيحيّة، ستبقى المعطيات اللاهوتية والكتابية المرجعية الثابتة لكل رؤية سليمة حول ثقافة الحياة وأهميتها. غير أن الأزمنة قد تغيّرت. والتحدّيات التي تهدّد الحياة وثقافتها لم تعد خفيّة على أحد. فتحكُّم التقنية العلمية وأجهزتها الذكية بأنماط العيش المعاصر، يصل بنا أحيانًا إلى حدّ الإدمان والديكتاتورية، في حين يرى فيها بعضهم ديانة
المستقبل القريب. أمّا محوريّة القيَم الإنسانية كما نراها من المنظور الإيماني المعهود، فلم تعد قضيةً مركزيةً بالنسبة إلى إنسان عصرنا. لذا نحن اليوم أمام واقع جديد يتطلّب مواقف وتدابير حكيمة. فالأزمة البيئية تكاد تلقي بنا في الهاوية؛ والتفلّت أحيانًا باسم استقلالية العلوم من أُطر الأخلاقيات في مجال الأبحاث العلمية وغيرها، يلزمنا بإعادة النظر في قِيَمنا الأنثروبولوجيّة الأعمق، كما في معنى وجودنا وغايتنا. وصار لزامًا علينا أن نتجنّد للدفاع عن ثقافة الحياة عبر تعزيزها وخلق مسارات فكرية وعملية لحمايتها. وهذا ما قامت وتقوم به الكنيسة منذ عقود عبر وضع دراسات، وعقد مؤتمرات، وإصدار رسائل رسمية للدفاع عن الحياة وثقافة الحياة ومركزيّتها. وقد عبّرت الكنيسة المعاصرة عن هذه الرؤية في عدد من الوثائق الرسميّة التي شكّلت معالم واضحة لما يمكن تسميته «لاهوت ثقافة الحياة» وبخاصة في رسائل بابوية متخصصة صدرت تباعًا منذ تسعينيّات القرن الماضي ولغاية عشرينيّات قرننا الحاضر.
ثانيًا: الرسائل البابوية.
يمكننا في هذا الإطار ذكر ثلاث منها وإيجازها:
أ- إنجيل الحياة للبابا يوحنا بولس الثاني (25 آذار 1995) حول قيمة الشخص البشري وقدسيّة حياته. تعدّد الرسالة هذه كل ما يتصدّى للحياة كالقتل، والإجهاض، والقتل الرحيم، والانتحار المتعمّد، والتعذيب، والمتاجرة بالنساء والأطفال، واللاعدالة الاجتماعية. إنه واقع مؤلم يرسم وجه حضارة مستجدّة تبرّر بعض الجرائم ضد الحياة باسم الحرية الفرديّة، كما يشكّل عملية «كسوف في قيمة الحياة» تقوّض معناها وأسسها الحقيقية. وأمام هذا الصراع الحاد بين حضارة الحياة وحضارة الموت، وحيال هذا الواقع المظلم، تنبع الدعوة إلى بناء حضارة جديدة للحياة، منبعها الله ومحورها الإنسان، تقوم على خدمة خيره وبناء اقتصاد متضامن من أجله. وهذا كلّه يتطلّب تجنّدًا فعّالًا لخدمة الحياة عبر إعداد تربوي يرجى منه أن يشكّل منعطفًا حضاريًا، يُفضّل الإنسان على الأشياء، والكيان على المُقتنى. ولقد شكّلت الرسالة هذه، والحق يُقال، حجر زاوية إضافيًّا في مسيرة بناء حضارة الحياة وثقافتها، كما فتحت الباب لمزيد من العمل والتفكّر.
ب- كُن مُسبّحًا (24 أيّار 2015) تناول البابا فرنسيس في هذه الرسالة المشكلات الإيكولوجية وضرورة العناية بالخلق وحماية «بيتنا المشترك». فالتلوّث، وثقافة الهدر، وقضية المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، كما تدهور الحياة البشرية والتفكك الاجتماعي والفساد، وسيطرة الأقوياء على موارد الطبيعة وحرمان الدول الفقيرة منها، وتغليب منطق التقنية ومنافعها على قيمة الإنسان والكائنات، وتدمير بيئتهما المشتركة، كلها عوامل تهدّد بشكل خطير ثقافة الحياة إذ إن الكل مترابط بالكل، ونحن في شركة كونية واحدة مُبدعها الله. من هنا تأتي ضرورة حلول إيكولوجية واقتصادية واجتماعية متكاملة تلتقي حولها السياسات الدولية والوطنية، وتتحاور بشأنها. كما تتجلّى أيضًا ضرورة التربية على محبة الحياة والطبيعة، والابتعاد عن ديناميات التسلّط، واعتماد نوع من التوبة البيئية، وعيش نمط مختلف من السلوكيات من شأنه أن ينقذ المجتمع الذي ندمّره بأيدينا.
ت- جميعنا أُخوة (3 تشرين الأول 2020) تناولت الأخوة والصداقة الاجتماعية، وقد استندت في جزء أساسي منها إلى وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، التي وقّعها البابا فرنسيس والإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب في دولة الإمارات في الرابع من شهر شباط عام 2019. تنطلق الرسالة من كوننا إنسانية واحدة، وأبناء كوكب واحد، وإخوة على الرغم من تعدد انتماءاتنا الدينية أو قناعاتنا الفكرية والإنسانية. وترى عن حقّ أن البشرية تعيش شبه حرب عالمية ثالثة على أجزاء، فالمصالح الاقتصادية لا تهتم بالخير العام، بل تؤجج عمداً الصراعات المحلية لتفرض نموذجًا ثقافيًا موحّدًا. لذا وجب تعزيز قِيَم الخير والتضامن، واختيار السياسة الأفضل التي لا تخضع للاقتصاد والمال، بل لروح المحبة الاجتماعية، حيث تتجسّد دعوتها في ضمان العدالة والخير العام. وعليه، يصبح من الواجب هندسة السلام وصنعه، لأن الحروب تشكّل تهديدًا حقيقيًا ودائمًا. وتُختتم الرسالة بأهمية دور الأديان في بناء الأخوّة والدفاع عن العدالة، كما تبيّن خطورة تغييب الضمير وإقصاء الأخلاق الدينية عن الحياة بكل أبعادها.
إن رهافة الحسّ الروحيّ والأخلاقيّ الكامن في سطور هذه الوثائق الكنسيّة، يدعونا جميعًا كأبناء الله الواحد إلى معانقة الآخرين بمحبة، وإلى صون العالم الذي خُلقنا فيه. ولا غلوَّ في القول إن مسألة ثقافة الحياة تقوم أو تنهار بقبول هذه المحبة أو رفضها. فالالتزام بثقافة الحياة هو
التزام بحياة أناس من «لحم ودم» على حدّ قول البابا فرنسيس. لأن الحياة التي ندافع عنها ونحرص على إثرائها ليست مجرد مفهوم نظري، بل حياة أناس يجب ألّا تُنتهك قدسيّة وجودهم وحُقوقهم، وألّا تُدمَّر بيئتهم وأوطانهم كما حصل ويحدث دائمًا، وألّا تُبنى رفاهية مفرطة لمجتمعات نخبوية على حسابهم. فما النزاعات والحروب المتكررة إلا دلالة دامغة على انهيار سُلّم القيَم من قاموسنا الإنسانيّ، وتأكيد عدم الوعي المخجل لذاكرتنا التاريخيّة. فتدمير بعضِ الشعوب ومحاولة محو تاريخهم وتراثهم واقتلاعهم من أرضهم وجذورهم، يكشف إلى أي حدّ باتت ثقافة الحياة مهددة، وكرامة الإنسان منتهكة. إن هذا الكمّ من بذور الشرّ الذي فينا كافٍ ليجعلنا نخجل لألف سنة وسنة، ويُظهر كم نحن بعيدون عن ثقافة الحياة وجوهرها، على الرغم من تطوّر مجتمعاتنا علميًا وتكنولوجيًا إلى حدّ بعيد. يتبيّن لنا إذن أن ثقافة الحياة ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل منظومة أنثروبولوجية وروحية واجتماعية متكاملة تحدّد شكل الحضارة التي يبنيها الإنسان والبيئة التي سيعيش ويحيا فيها.
خاتمة
صحيح هو القول إنّ علينا أن نضيف إلى أيّامنا حياةً أكثر ممّا نضيف إليها أيّامًا، شرط أن تكون هذه الحياة حياةً حقّة. فالعصر الذي نعيشه يشهد انحدارًا أخلاقيًّا وتقهقرًا قيميًّا لا يمكن تجاهله في ظلّ ما يسميه
آلان دينو «نظام التفاهة»، حيث يتصدّر المشهد من يُفرغون الفكر والثقافة من معناهما. ومن المحزن أن يُختزل مسرح الحياة ليكون حلبةً للمُجالدين أو سيركًا للمهرّجين؛ ففي زمن الحروب والانقسامات والأحقاد التي يشهدها عالم اليوم، لا تعود ثقافة الحياة ترفًا فكريًّا، بل مسؤوليّة وجودية، وبوجه خاصّ على المؤمن المسيحي؛ إذ إن الدفاع عن الحياة لا يقتصر على رفض العنف والموت وحسب، بل يتجسّد في بناء الإنسان، وصون كرامته، وتعزيز الحوار والمصالحة، والنظر إلى الآخر لا كتهديد، بل كأخٍ في الإنسانية. فنحن نؤمن بأنّ الله، على الرغم من كلّ شيء، يقود التاريخ إلى غايته، وبأن الالتزام بثقافة الحياة هو التزام بمحبة الإنسان، وخيره، وقدسيّة وجوده، لأنّ الله محبّة (1 يوحنا 4: 8). لذا لا مغالاة في القول: «إن ثقافة الإنسان لن تكون ثقافة إنسانية حقّة ما لم تكن في جوهرها وغايتها... ثقافةَ محبّة. «