تشير المعطيات السياسية في
لبنان إلى وجود تحوّل جدي في طريقة تعاطي عدد من أطراف السلطة مع
حزب الله، وهو تبدل لا يزال غير مُعلن بشكل واضح، لكنه لم يعد خافياً على المعنيين والمتابعين عن قرب.
فالمراقب لمسار اللقاءات السياسية خلال الفترة الأخيرة يلاحظ أن قنوات التواصل التي كانت شبه مجمّدة في مراحل سابقة، عادت لتفتح تدريجياً، وأن التعامل مع الحزب بات أقرب إلى الإقرار بواقعه السياسي والشعبي، لا إلى محاولة عزله أو تجاهله،كما كان يحصل في بعض
المحطات السابقة.
هذا التحول لا يظهر في تصريحات رسمية أو مواقف إعلامية مباشرة، بل يبرز في سياق اللقاءات التي تُعقد بعيداً عن الأضواء، وفي طبيعة اللغة المستخدمة داخل هذه الاجتماعات. فالأبواب التي كانت توصد أمام ممثلي الحزب أو تُفتح بشروط قاسية، باتت اليوم تُفتح بمرونة أكبر خصوصا داخل ادارات الدولة، حيث يجري التعامل مع حضوره كأمر واقع يصعب تجاوزه.
ويرى بعض المتابعين أن هذا المشهد يُسجّل للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأخيرة، حيث كانت الأجواء في بدايات ما بعد الحرب تميل إلى التشدد والضغط السياسي أكثر من أي وقت مضى.
ويُرجَّح أن يكون لهذا التبدل أسباب متعددة، أبرزها التطورات الميدانية التي أظهرت قدرة الحزب على الصمود لفترة طويلة، إضافة إلى نجاحه في اعتماد أسلوب استنزاف مكلف لإسرائيل، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.
هذا الواقع الميداني، بحسب قراءات سياسية متقاطعة، ينعكس مباشرة على الحسابات الداخلية في لبنان، إذ إن أي قوة تُظهر قدرة على الاستمرار في المواجهة تفرض نفسها لاعباً أساسياً في أي تسوية مقبلة. ومن هنا، يعتقد البعض أن هذه المعطيات قد تفتح الباب أمام تسوية مختلفة عن تلك التي أعقبت جولات سابقة، حتى وإن كان الحديث عن مفهوم الانتصار الكامل لا يزال بعيداً في هذه المرحلة.
في موازاة ذلك، يلاحظ مراقبون أن حزب الله بدأ، ولو بطريقة غير رسمية، برفع مستوى خطابه الداخلي الذي يتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب، وعن تبدل محتمل في شكل التعاطي الداخلي معه. هذا الخطاب، وإن جاء بحذر ودون إعلان صريح، يحمل في طياته إشارات إلى أن الحزب يتوقع حراكاً سياسياً داخلياً واسعاً بعد انتهاء المواجهة الحالية، وأنه يستعد للتعامل مع مرحلة جديدة قد تشهد إعادة ترتيب للتوازنات داخل الدولة.
وبناءً على ما تقدم، يبدو أن لبنان يتجه نحو مرحلة سياسية مختلفة عمّا عرفه في الأشهر الماضية، حيث لم يعد التعاطي مع الحزب محصوراً بمنطق المواجهة السياسية فقط، بل بات يميل تدريجياً إلى منطق إدارة الواقع القائم. ومع استمرار التطورات الميدانية، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستؤول إليه نتائج الحرب، إذ إن مخرجاتها لن تحدد فقط شكل التسوية الإقليمية، بل سترسم أيضاً ملامح المشهد الداخلي اللبناني في السنوات المقبلة.