كتب ابراهبم بيرم في" النهار": في الأيام القليلة الماضية، وبعد جولة المفاوضات الثالثة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، أطلق "حزب الله" موقفاً واحداً بألسنة العديد من رموزه. العنوان العريض لهذا الموقف اختصره ما ورد على لسان رئيس كتلة نواب الحزب محمد رعد عندما قال: "السلطة تتبنى سردية الاحتلال ضد المقاومة، وإن استقواءها بالاحتلال لنزع سلاح المقاومين جرم فظيع في حق الوطن". ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
وعليه، كان السؤال: ما الدوافع التي حدت بالحزب إلى هذا المستوى من التصعيد في وجه السلطة؟ لكن المفارقة أنه فيما يطلق الحزب عنان التصعيد إلى الذروة، عاد وأعلن أخيراً بلسان من حمّله الحزب ملف العلاقة مع قصر بعبدا النائب فضل الله أنه "لم يقطع علاقته نهائياً بقصر بعبدا وأنه مستعد لوصل ما انقطع مع سيده".
في رأي العالمين بالحزب فهو يقيم على اعتقاد أن خيارات الرئاسة الأولى التفاوضية لم تؤتِ ثمارها المرجوة، وبالتالي فإنه يقدم عبر كلام فضل الله "عرضاً جديداً" للرئاسة هو ترجمة لدعوات سبق للأمين العام الشيخ نعيم قاسم أن قدمها مراراً، وفحواها "أننا في آن واحد جادون في مواجهة السلطة وخياراتها، وجاهزون أيضاً لمرحلة جديدة من التنسيق إن أعادت السلطة النظر في خياراتها ومسلكها".
يدرك الحزب أن قصر بعبدا يصعب عليه التراجع عما بدأه، إلا أنه قدّم نفسه بصورة المستعد للاحتمالين معاً، أي الصدام والتنسيق، لكي يظهر أنه يملك زمام المبادرة وأنه ما زال رقماً صعباً يستحيل تجاوزه.
وبات الحزب يعتقد بضرورة رفع الصوت خصوصاً بعد تطورين:
أن الدولة لم تحصل في رأيه على أي مكسب يعتد به من المفاوضات، وفي مقدمها اتفاق وقف النار. أن الحزب ينزل في الميدان الجنوبي خسائر بالقوات الإسرائيلية."
وكتب مجد بو مجاهد في" النهار": ترصد رئاسة الجمهورية بتجاوب، قرار "حزب الله" تكليف النائب حسن فضل الله إعادة التشاور مع رئيس الجمهورية جوزاف عون. فهل "رأب الصدع" ممكن بين الجانبين؟
بحسب معطيات رسمية لـ"النهار"، الرئيس عون متجاوبٌ مع أيّ محاولة أو قرار من "حزب الله" لإعادة التشاور معه، وستبقى أبواب القصر الجمهوريّ مفتوحة أمام كلّ اللبنانيين. ولا مشكلة على مستوى رئاسة الجمهورية في تكليف فضل الله إعادة الوصل بين الحزب وعون، باعتبار أنّ الأوّل كان أحجم عن التشاور والتواصل مع رئيس الجمهورية عند نشوب الحرب في آذار المنصرم وبدء الأزمة في الداخل اللبناني.
ومع تكليف "حزب الله" النائب فضل الله التشاور مع رئيس الجمهورية، يسود ترقّب لما قد ينتج من تكليفه، على أن يحصل "الحكم على الوقائع".
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.
وتعوّل رئاسة الجمهورية على أن يكون تكليف فضل الله التشاور مع الرئيس بمثابة إنهاء للغط الذي بدا واضحاً في خطاب الحزب، ويقين بأهمية التفاوض المباشر والمبدأ الذي تعتمده الدولة اللبنانية في التفاوض.
وكتب ابراهيم حيدر في" النهار": لم يكن سهلاً قرار المفاوضات المباشرة الذي اتخذه رئيس الجمهورية وحدّد مساره بعناوين استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الأسرى، وصولاً إلى اتفاق شبيه بهدنة 1949، إذ أن قراره هو محاولة لتجنيب لبنان تطورات تهدد وجوده. المعترضون على التفاوض المباشر لم يتركوا المجال للدولة لتبحث عن خيارات أخرى توقف الحرب. المفارقة أن "حزب الله" يرفض التفاوض، لكنه لا يقنع اللبنانيين بقدرته على وقف الحرب والتدمير.
يذهب لبنان الرسمي إلى التفاوض، فيما يجب تذكير "حزب الله" أنه تعرض لهزيمة في الحرب وخسر معه البلد، لذا إذا كان الحزب حريصاً على لبنان أن يقدم كل ما من شأنه أن يعزز موقف الدولة في عملية التفاوض، ويقدم لها أوراق المساعدة، ويسهّل مهمة الجيش، ليتمكن من السيطرة على الأرض. لا يمكن لـ"حزب الله" الاستمرار في ممانعته وربط مصير لبنان بإيران، إلا أنه قدّم الذريعة لخطة إسرائيل الجاهزة دوماً للتوسع. لا يستطيع "حزب الله" فرض ما يريد على اللبنانيين، وتحميلهم عبء سياساته، ولا تنفع أيضاً الدعوات لنزع سلاحه بالقوة، في وقت يمر البلد بمرحلة عصيبة وأكثر خطورة في تاريخه. لكن كل تأخر في العودة عن الخطأ، يزيد من عمق المأساة ويمنح الاحتلال المزيد من الوقت للتدمير والتنكيل.