نشر موقع "arabnews" تقريراً جديداً تحدث فيه عن وجود فرصة تاريخية لدى لبنان وسوريا لإعادة تشكيل بلاد الشام.
التقرير الذي ترجمهُ
"لبنان24" يقول إنَّ زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق خلال شهر أيار الماضي، لم تكن مجرد زيارة مجاملة دبلوماسية، بل كانت بمثابة بداية لعلاقة جديدة جذرياً بين البلدين الجارين بعد عقود من انعدام الثقة والهيمنة والصراع.
ويشير التقرير إلى أنَّ هذه الزيارة وتأتي في وقت يشهد فيه
الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، وأضاف: "على مدى نصف القرن الماضي، اتسمت العلاقات بين
سوريا ولبنان بالتوتر وعدم التكافؤ، فقد دأب نظاما البعث وبشار الأسد في دمشق على التشكيك في سيادة لبنان، ودعما الجماعات المسلحة غير الحكومية، وسعيا إلى التأثير في الحياة السياسية
اللبنانية أو السيطرة عليها. فعلياً، تحالفت سوريا أولاً مع الاتحاد السوفيتي، ثم مع إيران لاحقاً، بينما كافحت الحكومات اللبنانية المتعاقبة للحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وخلال الحرب الأهلية
السورية، عبر
حزب الله الحدود ليقاتل إلى جانب القوات الحكومية ضد المعارضة السورية".
ويقول التقرير إن "سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد وظهور قيادات جديدة في دمشق وبيروت يمثل فرصة تاريخية"، وتابع: "للمرة الأولى منذ عقود، باتت الدولتان متحالفتين ضمن تحالف جيوسياسي واحد، وبإمكانهما إعادة بناء علاقتهما على أساس السيادة والاحترام المتبادلين. وعلى نطاق أوسع، يفتح هذا التغيير الباب أمام إعادة دمج بلاد الشام في المنطقة الأوسع كمركز للترابط والتجارة والاستقرار، بدلاً من كونها بؤرة للصراع والتشرذم المزمنين".
وأوضح التقرير أنَّ "المهمة الأولى والأهم هي مهمة سياسية، إذ يعيد لبنان وسوريا تعريف علاقتهما على أساس مبدأ احترام كل دولة بشكل كامل لاستقلال الدولة الأخرى وسلامة أراضيها وحقها في اتخاذ القرارات"، وتابع:بالنسبة لسوريا، يعني هذا الاعتراف بأن لبنان المستقر ذو السيادة يمثل مكسباً لا تهديداً أو مجالاً للهيمنة. أما بالنسبة للبنان، فيعني ذلك تحمل مسؤوليات السيادة بجدية وإدارة العلاقات مع سوريا على أساس العلاقات بين الدول، ويتطلب الأمر من كلا البلدين تجاوز مرارة الماضي لبناء الثقة والتعاون القائمين على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".
وذكر التقرير أنَّ "المناقشات في دمشق أبرزت اتساع نطاق جدول الأعمال الثنائي، فيما أكد حضور الوزراء المسؤولين عن الطاقة والنقل والاقتصاد عزم الحكومتين على التركيز على القضايا العملية ذات الأهمية الوطنية المباشرة"، وتابع: "في الوقت نفسه، لا يزال الأمن على طول الحدود اللبنانية السورية الممتدة يمثل أولوية قصوى، ولدى الحكومتين مصلحة بالغة في الحد من تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود وغيرها من الممنوعات. أيضاً، فإن ترسيم الحدود وتحديدها بشكل كامل بات ضرورياً، بما في ذلك المناطق الحساسة كمزارع شبعا، التي يؤثر وضعها على مفاوضات لبنان الحدودية مع إسرائيل. كذلك، تستدعي القضايا الإنسانية والسياسية أيضاً اهتماماً خاصاً، بما في ذلك مصير المحتجزين والمفقودين".
وأكمل: "يُعد التعاون الاقتصادي محوراً أساسياً في أجندة العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، فهناك مصلحة مشتركة في تبسيط الإجراءات الجمركية، وتنشيط التبادلات التجارية، والتنسيق في مجالات الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والتجارة، ويمكن أن يُسفر ترميم هذه الروابط العملية عن فوائد جمة لكلا البلدين، وأن يُسهم في إرساء أسس تكامل إقليمي أوسع".
وتابع: "كان لبنان وسوريا تاريخياً جزءاً من نظام اقتصادي واحد. وخلال أواخر العهد العثماني، وخلال فترة الانتداب وبداية الاستقلال، تم دمج البلدين من خلال أسواق مشتركة وشبكات نقل وبنية تحتية استراتيجية. أيضاً، ربطت خطوط أنابيب رئيسية المنطقة بإمدادات الطاقة الخليجية، فقد نقل خط أنابيب من كركوك في العراق النفط عبر سوريا إلى بانياس على الساحل السوري وطرابلس على الساحل اللبناني. أيضاً، نقل خط أنابيب آخر النفط من بقيق في
السعودية عبر الأردن وسوريا (بما في ذلك هضبة الجولان) إلى الزهراني قرب صيدا على الساحل الجنوبي للبنان. في الوقت نفسه، كانت
بيروت وطرابلس بمثابة موانئ رئيسية لسوريا والمناطق العربية الداخلية".
وأضاف: "اليوم، يعود هذا المنطق التاريخي للظهور مجدداً. تستثمر دول الخليج في ممرات جديدة للنقل والتجارة والطاقة والتقنية الرقمية عبر سوريا والأردن، رابطةً شبه الجزيرة العربية ببلاد الشام وتركيا وشرق المتوسط وأوروبا. في الوقت نفسه، فقد عززت الهشاشة الاستراتيجية لمضيق هرمز - التي أبرزتها التوترات الإقليمية الأخيرة - أهمية الطرق البرية المؤدية إلى
الشمال الغربي. ويمكن للبنان، بل ينبغي له، أن يكون جزءاً من هذا الاندماج الإقليمي".
وأكمل: "ثمة بُعد رابع بالغ الحساسية في العلاقات اللبنانية السورية يتعلق بإسرائيل. فكل من لبنان وسوريا لا يزالان في حالة صراع مع إسرائيل، ويواجهان حالياً الاحتلال
الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، دخل كل منهما في مفاوضات مباشرة تهدف إلى التوصل إلى ترتيبات أمنية مستدامة ووقف دائم للأعمال العدائية. قد يكون السلام بعيد المنال في الوقت الراهن، ولكنه يبقى احتمالاً قائماً على المدى البعيد".
وتابع: "تُتيح هذه المسارات الدبلوماسية المتوازية فرصاً ومخاطر في آنٍ واحد، فمن شأن تعزيز التنسيق بين بيروت ودمشق أن يُقوّي موقفهما التفاوضي مع إسرائيل والولايات المتحدة، ويُساعد في الحفاظ على الدعم العربي، ويُقلّل من احتمالية أن تُؤثّر مفاوضات إحدى الدولتين سلباً على مصالح الأخرى".
وأضاف: "إلا أن التحديات تختلف اختلافاً كبيراً، فسوريا مطالبة بمعالجة قضية ضم إسرائيل لهضبة الجولان، وهي قضية مستمرة. أما لبنان، فيواجه تحدياً لا يقل صعوبة، يتمثل في صدّ الاحتلال الإسرائيلي المتنامي، وإعادة بسط سيادة
الدولة على حزب الله المدعوم من إيران".
وأكمل: "ثمة أيضاً قلق استراتيجي أوسع نطاقاً، فإسرائيل تنظرُ إلى الحكومة اللبنانية الحالية كشريك براغماتي محتمل، بينما تشكّ بشدة في القيادة السورية الجديدة وعلاقاتها مع تركيا. في الوقت نفسه، ينبغي على كل من بيروت ودمشق تجنب الانجرار إلى تحالفات إقليمية متنافسة أو أجندات خارجية قد تُؤجّج الصراع بينهما".
وأضاف: "ينبغي أن تحظى عملية تطبيع العلاقات اللبنانية السورية بدعم قوي من دول الخليج، والعالم العربي الأوسع، وتركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة. مع هذا، فإن إقامة علاقة مستقرة وتعاونية بين بيروت ودمشق من شأنه أن يعزز أمن وازدهار البلدين، كما أنه سيساعد على إعادة دمج بلاد الشام في النظام العربي وشرق المتوسط الأوسع نطاقاً بعد أكثر من نصف قرن من الانقسام والتشرذم الجيوسياسي".
وتابع: "تتباين آراء مختلف الفاعلين الإقليميين حول القيادة السورية الجديدة، لكن لا ينبغي لهذه الآراء أن تعرقل توثيق العلاقات اللبنانية السورية. فالضرورة الاستراتيجية واضحة: ترسيخ لبنان وسوريا ضمن إطار إقليمي بنّاء قائم على السيادة والترابط والتعاون، بدلاً من الصراع بالوكالة والتنافس الأيديولوجي".
ويقول التقرير إنه "لعقود طويلة، ارتبط لبنان وسوريا جغرافياً، لكنهما انفصلا بسبب الإكراه وانعدام الثقة والتحالفات الإقليمية المتنافسة"، وأضاف: "اليوم، يملك البلدان فرصة لتحويل تاريخهما الصعب إلى شراكة أكثر توازناً ومنفعة متبادلة".
واستكمل: "إذا استطاعت بيروت ودمشق إعادة بناء علاقتهما على أسس السيادة، وحل القضايا الثنائية العالقة، وإعادة التواصل الاقتصادي، والتنسيق بحكمة في الدبلوماسية الإقليمية، فبإمكانهما المساعدة في تحويل بلاد الشام من منطقة عدم استقرار مزمن إلى ممر للتجارة والطاقة والترابط يربط الخليج بشرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا".
وختم: "لن يقتصر نجاح هذا المسعى على إفادة بيروت ودمشق فحسب، بل سيساهم أيضاً في ظهور شرق أوسط أكثر استقراراً وتكاملاً وازدهاراً، في وقت تبحث فيه المنطقة عن نظام استراتيجي جديد".