مرة جديدة يدخل لبنان في مرحلة ضبابية، من غير المعروف متى يخرج منها :
الاشارة الأبرز اتت من واشنطن، حيث صدر بيان بعد جولة المفاوضات اللبنانية–الأميركية–الإسرائيلية، حمل الكثير من “القرارات” التي سقطت قبل أن يجف حبرها، بموقفين: الأول من الأمين العام لـ“حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، اعتبر فيه أن كل ما صدر لا يعني الحزب ولا يُلزمه بأي موقف. ليصدر بعد 24 ساعة موقفٌ من الرئيس نبيه بري رسم فيه خارطة مختلفة عن تلك التي رُسمت على عجل في واشنطن. وقبل ذلك كله، كان لـ“الحرس الثوري الإيراني” رأيه أيضاً، إذ أعطى لنفسه حق التحدث باسم الشعب اللبناني لرفض مضمون بيان اجتماع واشنطن…
كل تلك المواقف “هطلت” بغزارة على الساحة
اللبنانية، في وقتٍ تَظهَّر فيه بوضوح أن الملعب اللبناني ضاق، بحيث لم يعد يتسع إلا لثلاثة لاعبين فقط: من جهة، لبنان حيث الكرة بين أيدي "الثنائي الشيعي"، ممثلاً بالرئيس بري الذي بات المحاور الأقوى؛ ومن الجهة الإقليمية، بدت
إيران تملك الورقة اللبنانية من خلال تأثيرها المباشر على “حزب الله” وتحكمها بأدائه السياسي والعسكري على حد سواء. أما دولياً، فـ“الكاوبوي” الأميركي وحده يدير الدفة، ساعة إلى اليمين وساعة إلى اليسار، وما من أحد يقدر على ضبط إيقاعه.
إلا أن الواضح أن النفوذ الأميركي في لبنان بات الأقوى، بحيث لم يجد الموفد الرئاسي الفرنسي، الوزير السابق جان إيف لودريان، ما يقوله لمضيفيه اللبنانيين سوى كلمات قليلة، كانت مزيجاً من العتب والنصح بعدم الغرق في “الفخ” الأميركي، وهو تعبير كان قد ردده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مسمع من الرئيس جوزاف عون عندما التقاه في قبرص على هامش الاجتماع الأوروبي مع عدد من رؤساء الدول العربية والخليجية. أكثر من ذلك، سجّل لودريان وجود “تحولات عميقة” في موازين النفوذ الدولي على الساحة اللبنانية، بدت فيها
الولايات المتحدة الأميركية ماضية في سياسة ممنهجة هدفها إقصاء فرنسا عن دائرة صنع القرار، وإفراغ دورها التاريخي في لبنان من مضمونه الفعلي. وما كان يُقرأ في البداية باعتباره تبايناً في الأولويات أو اختلافاً في الأساليب، بات اليوم يرقى إلى مستوى الإبعاد المتعمد الذي يعيد رسم خريطة التأثير الغربي في بلاد الأرز.
استبعادٌ من قلب المفاوضات
ولعل أبرز تجليات هذا التهميش للدور الفرنسي يتجلى في إقصاء باريس كلياً عن المفاوضات الثلاثية المنعقدة في واشنطن بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل. فمنذ انطلاق هذه الجولة من المباحثات، لم تجد فرنسا لها مقعداً على طاولة الحوار، رغم أنها الدولة الأكثر ارتباطاً تاريخياً وسياسياً وثقافياً بلبنان بين سائر الدول الغربية. وفي تجاهل صريح لمكانتها التقليدية، اختارت واشنطن إدارة هذا الملف الحساس بعيداً عن العيون
الفرنسية، في إشارة لا تخطئها العين إلى أن الفرنسيين باتوا خارج نادي اللاعبين الفاعلين في المعادلة اللبنانية. من هنا كان “العتب” الذي عبّر عنه لودريان أمام من التقاهم في
بيروت من رسميين وسياسيين، سمعوا كلاماً بلغ في بعض ما جاء فيه حد الشكوى من الهيمنة الأميركية على القرار اللبناني.
تعطيل ممنهج لآلية الرقابة
ولم يقتصر الأمر على استبعاد فرنسا من المفاوضات، بل امتد ليطال الدور الفرنسي في لجنة “الميكانيزم” المشكلة للإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار المبرم في العام 2024. هذه اللجنة، التي كان يُفترض أن تكون بمثابة الذراع الدولية الرقابية لضمان احترام الاتفاق، وجدت نفسها مشلولة الحركة، إذ لم تُتح لفرنسا فرصة ممارسة دورها الرقابي والميداني بالفاعلية المطلوبة. واشنطن، التي تمسك بخيوط اللعبة، آثرت إبقاء القرار في دائرتها الضيقة، بدلاً من السماح لباريس بالحصول على نفوذ ميداني يمكّنها من التأثير في مجريات الوضع الأمني. وعندما حاول لودريان استشراف دور فرنسي مستقبلي لبلاده في أي ترتيبات يمكن أن تفرزها مفاوضات واشنطن، لم يسمع من محدثيه الرسميين اللبنانيين سوى كلمات عامة ومبهمة، فتأكد الموفد الرئاسي الفرنسي أن من يقرر في هذا المجال هو الرئيس
دونالد ترامب، الذي لم يعد يخفي علاقته الباردة جداً مع الرئيس الفرنسي.
مؤتمر في الأدراج
عنصر آخر عكس تراجع الدور الفرنسي، حتى إن لودريان تجنب الحديث عنه بحرارة كما كان يفعل في زيارات سابقة، هو المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن اللبنانية. إذ كانت فرنسا، منذ أكثر من عامين، تعدّ العدة لعقد مؤتمر دولي حاشد لدعم الجيش اللبناني والمؤسسة العسكرية، وكانت ترى في هذا المؤتمر فرصة ذهبية لإعادة تثبيت نفسها لاعباً محورياً في لبنان. غير أن الحماسة الأميركية لهذا المسعى جاءت فاترة إلى حد بعيد. واشنطن، التي تمسك بمفاتيح التمويل الدولي وقرارات المانحين الكبار، لم توفر الزخم السياسي اللازم لإنجاح هذه المبادرة، فظل المؤتمر معلقاً بين الطموح الفرنسي والعرقلة الضمنية الأميركية، ما يكشف مرة جديدة أن واشنطن لا تريد لباريس أن تحصد أمجاد الإنجازات في الملف اللبناني. ويروي مرجع كبير أنه عندما طُرح موضوع مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، جاء الرد سريعاً من لودريان: هل تضمنون ألا يعرقل الأميركيون انعقاد المؤتمر كي لا يعطوا لفرنسا أي دور؟
رهان لبناني على واشنطن
في هذا السياق، لا يبدو اللبنانيون أنفسهم بمعزل عن هذه المعادلة الجديدة. فالرئيس اللبناني لم يُخفِ، في أكثر من مناسبة، أن بلاده تراهن على الدور الأميركي وعلى شخص الرئيس دونالد ترامب بالذات لتجاوز أزماتها المتراكمة والتوصل إلى تسويات دائمة. هذا الرهان العلني يفصح عن قناعة راسخة لدى بيروت بأن مفاتيح الحل بيد واحدة، وأن الطريق إلى التسوية يمر عبر واشنطن لا عبر باريس، بصرف النظر عن الروابط التاريخية والعاطفية التي تجمع لبنان بفرنسا. ولعل ما ذكره الرئيس عون في مقابلته مع شبكة CNN الأميركية عن دور الرئيس ترامب خير دليل على أن “الصديق ترامب” بات في موقع متقدم لدى الرئيس اللبناني، وربما تجاوز موقع الرئيس ماكرون.
في الخلاصة، يبدو أن عصر الوصاية الفرنسية التقليدية على الشأن اللبناني يُسدل ستاره ببطء وبشكل مؤلم لباريس، في حين تنفرد واشنطن بضبط إيقاع المشهد ورسم معالم المرحلة المقبلة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تملك فرنسا من الأوراق ما يُعيدها إلى دائرة الفاعلين، أم أن زمن دورها اللبناني بدأ يترنح ؟