لا يزال الجنوب اللبناني تحت وطأة الاستهدافات الإسرائيلية، على الرغم من مرور أيام على إعلان مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية فيما بدت تل أبيب ماضية في تثبيت معادلة ميدانية جديدة عنوانها "المنطقة الأمنية" داخل الأراضي اللبنانية.
وأثارت خريطة نشرها جيش العدو
الإسرائيلي لمناطق انتشار قواته في الجنوب اللبناني مخاوف من محاولة تكريس واقع ميداني جديد تحت عنوان «المنطقة الأمنية». وأعلن الجيش الإسرائيلي انتشار قواته «بناءً على الحاجة العملياتية داخل منطقة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان»، بهدف إزالة ما وصفه بـ«التهديدات، وتحسين الدفاع عن سكان الشمال».
وأكدت مصادر ميدانية أن الحدود التي تظهرها الخريطة تتجاوز في بعض النقاط «الخط الأصفر»، وتشمل مناطق لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تثبيت وجود دائم فيها خلال الحرب، ما أثار قلق السكان وأبطأ عودة الأهالي إلى عدد من البلدات الجنوبية التي لا تزال تعاني من نقص الخدمات واستمرار التوتر الأمني.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، "أننا سنعيد الأمن للشمال، وهذا يتطلب الحفاظ على المنطقة الأمنية في
لبنان، وعلينا ألا ننسحب من هناك".
وبرز في المقابل موقف لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حيال لبنان، إذ قال، "نتوقع من "
حزب الله" إلا يطلق صواريخ ومسيّرات على
إسرائيل، ومن إسرائيل أن لا تذهب إلى التصعيد المفرط في لبنان".
وأضاف: "ما نريد أن نراه هو أن تتمكن الحكومة اللبنانية والممثلون المنتخبون للشعب اللبناني من فرض الأمن والسيطرة على جنوب لبنان، بحيث لا يكون "حزب الله" قد استولى على البلاد، وعندها لا يشعر الإسرائيليون بالتهديد ولا تقوم إسرائيل تالياً بمهاجمة جنوب لبنان أو
بيروت".
وكان إعلام إسرائيلي أفاد أن نتنياهو أكد للرئيس الأميركي
دونالد ترامب عدم انسحاب إسرائيل من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان ما دامت الاعتبارات الأمنية تقتضي ذلك. ونقلت "رويترز" عن مسؤول إسرائيلي مقرّب من نتنياهو قوله، إن إسرائيل تجري مفاوضات معقدة وعنيدة مع واشنطن بشأن وجودها في جنوب لبنان. وأضاف، "أن إسرائيل لا تنوي التراجع عن مواقفها بشأن وجودها العسكري في جنوب لبنان".
وكتبت" الاخبار":تتواصل محاولات جيش الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على محور كفرتبنيت- تلة علي الطاهر، رغم الخسائر المتراكمة التي مُني بها في محاور القتال الأخرى جنوبي لبنان. يعكس ذلك الأهمية الاستراتيجية التي يوليها العدو لهذا الموقع، بوصفه مفتاح تثبيت أي وجود عسكري له شمال نهر الليطاني.
وجاء التركيز على هذا المحور بعد تعثر محاولات التقدم عبر أودية الحجير والسلوقي وزوطر ويحمر والغندورية، حيث فرضت الطبيعة الجغرافية الصعبة لتلك المناطق قيوداً كبيرة على حركة المدرعات، وحوّلتها إلى أهداف سهلة للصواريخ الموجهة والعبوات الناسفة. ويُعد محور الخردلي- أرنون- كفرتبنيت بديلاً عملياتياً حاولت عبره قوات الاحتلال تجاوز إخفاقاتها في الأودية، مُستفيدةً من طبيعة الهضاب والمساحات المفتوحة التي تمنح الآليات العسكرية هامش حركة أوسع نسبياً. غير أن المقاومة عملت على تحويل هذا المسار أيضاً إلى ساحة استنزاف عبر الكمائن المركبة والاستهداف المتواصل للقوات المتقدمة.
وتنبع أهمية تلة علي الطاهر من كونها تشرف نارياً وبصرياً على مساحات واسعة شمال الليطاني، ما يجعل السيطرة عليها شرطاً أساسياً لتأمين ما يُعرف عسكرياً بـ«رأس الجسر» الذي تحتاجه القوات المتوغلة لحماية خطوط إمدادها بعد عبور النهر. وفي المقابل، فإن بقاء التلة خارج سيطرة العدو يعني تعرض قواته المنتشرة في محيط أرنون وقلعة الشقيف لخطر العزل والاستنزاف المستمر. وتشير التقديرات إلى أن فشل الاحتلال في إحكام السيطرة على كفرتبنيت وعلي الطاهر يحول انتشاره شمال النهر إلى جيب ضيق ومعزول، تصبح فيه قواته عرضة للاستهداف بالصواريخ الموجهة وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة، من دون امتلاك أفضلية طبوغرافية تسمح له بفرض قواعد الاشتباك.
ويمكن تفسير استمرار العمليات في هذا المحور، رغم ظروف وقف إطلاق النار، بكون القيادة العسكرية الإسرائيلية تعتبره «هدفاً مصيرياً» لا يمكن التخلي عنه، ما دفعها إلى تكثيف الهجمات والزج بقوات إضافية في محاولات متكررة لاختراق دفاعات المقاومة. ويعكس ارتفاع الخسائر في صفوف الضباط الإسرائيليين في هذا القطاع، اضطرار قادة الوحدات إلى التقدم في الخطوط الأمامية لقيادة الهجمات بشكل مباشر.
في المقابل، تؤكد المعطيات الميدانية أن المقاومة تركز جهودها على منع تثبيت أي موطئ قدم إسرائيلي دائم في محور كفرتبنيت- علي الطاهر، انطلاقاً من قناعة بأن نجاحها في ذلك سيجعل الوجود الإسرائيلي شمال نهر الليطاني مكلفاً عسكرياً وغير قابل للاستدامة على المدى
الطويل.
بهذا المعنى، تجاوزت معركة علي الطاهر كونها مواجهة على تلة أو بلدة محددة، لتتحول إلى اختبار حاسم لمستقبل الانتشار الإسرائيلي شمال الليطاني، بحيث قد يؤدي حسمها إلى ترجيح مسار المعركة برمتها في هذا القطاع من جنوب لبنان.
وتدعم الوقائع الميدانية الأخيرة ما سبق، إذ أعلنت غرفة عمليات المقاومة أن قوات العدو تحاول منذ أربعة أيام التقدم نحو كفرتبنيت ومرتفع علي الطاهر عبر أكثر من محور، مستفيدةً من غطاء مدفعي كثيف ومراقبة جوية مستمرة. إلّا أن المقاومة تمكنت من إحباط جميع محاولات التوغل عبر استهداف التحشدات والتحركات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والمحلّقات الانقضاضية، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية أجبرت القوات المهاجمة على التراجع، فيما اضطرت مروحيات الاحتلال إلى تنفيذ عمليات إخلاء لقتلاه وجرحاه تحت ستار ناري ودخاني.
وفي أحدث المواجهات، استهدفت المقاومة قوة مشاة حاولت التمركز في الأطراف الشمالية الشرقية لكفرتبنيت بسرب من المسيّرات الانقضاضية أعقبه قصف صاروخي ومدفعي، قبل أن تعلن لاحقاً إصابة دبابة «ميركافا» خلال محاولة جديدة للتحشيد في منطقة المعبر، ما أدى إلى انسحاب القوة المهاجمة. كما أكدت المقاومة أن الاشتباكات تجددت مساء أمس إثر محاولة تقدم جديدة من جهة أرنون باتجاه أطراف كفرتبنيت.