شارك وزير الخارجية يوسف رجي في مؤتمر "للتضامن مع لبنان" في مجلس الشيوخ الفرنسي بدعوة من رئيسه جيرار لارشيه، وألقى كلمة شدد فيها على أن العلاقة اللبنانية – الفرنسية "استثنائية وتطورت من علاقة دولة حامية إلى شراكة راسخة". وأكد رجي أن الحكومة اللبنانية اتخذت "قرارات تاريخية" أبرزها إنهاء الوجود العسكري لحزب الله، معتبراً أن هذا القرار "تعبير عن إرادة وطنية خالصة وليس استجابة لضغوط خارجية، وهو الذي هيأ الظروف لاتفاق الإطار". وقال: "القرارات المتعلقة بالحرب والسلم تتخذ اليوم في بيروت وحدها".
واستُهل المؤتمر بكلمة ترحيبية لرئيس مجلس الشيوخ، حيث شدد على الارتباط العضوي بين لبنان والمجلس الفرنسي، متوقفاً عند الأزمات المتعاقبة التي عاناها لبنان، وآخرها الأزمة التي تسبب بها
حزب الله، على حد تعبيره. ووصف قرار الحكومة اللبنانية برفض مسار الحرب والذهاب نحو المفاوضات بالقرار الشجاع والتاريخي.
وقال الوزير رجي: "لبنان لم يعد يتحرك وفق إملاءات الظروف، بل وفق رؤية واضحة تعتبر أن السيادة لا تتجزأ وأن القرار الوطني لا يُفوّض وأن احتكار القوة الشرعية لا يمكن أن يكون إلا للدولة".
وإذ اعترف بأن "لبنان كان بحكم موقعه الجغرافي وانفتاحه وتعدديته، بلداً تتقاطع فيه التأثيرات الخارجية"، رأى في المقابل أن "التأثيرات ليست كلها متشابهة، واعتبر أن لبنان لا يرفض التعاون مع أحد لكن ثمة فرقا جوهرياً بين الشراكة والوصاية، وبين التعاون والتدخل".
أضاف:" لذلك نرحب بكل شريك يساهم في تقوية الدولة اللبنانية، ونرفض كل من يسعى إلى الحلول مكانها". وشدد على أن "القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، والأمن الوطني، والسياسة الخارجية، تُتخذ اليوم في بيروت، وفي بيروت وحدها".
تابع:"إن هذا الخيار يتطلب شجاعة، بل ويفرض أحياناً اتخاذ قرارات صعبة، لكنه خيار لا رجعة عنه، لأنه يعبر عن إرادة عميقة لدى اللبنانيين وتطلعهم إلى استعادة دولتهم، دولة لا تكون بعد اليوم ساحةً لتصفية صراعات الآخرين، ولا خط دفاع متقدماً لخدمة مصالح خارجية، ولا ورقة تفاوض تُستخدم على موائد المفاوضات التي تُعقد بعيداً عن بيروت".
أضاف: "لبنان ينظر إلى فرنسا بوصفها شريكاً قادراً على الإسهام في بناء منظومة جديدة للأمن والازدهار والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط"، وأشاد ب"الدور الذي تؤديه فرنسا منذ عقود، في إطار القوات الدولية العاملة في
جنوب لبنان (اليونيفيل)"، لكنه شدد على أن "الجميع يدرك بأن أي قوة دولية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تحل بصورة دائمة محل الدولة ذات السيادة".
وقال: " هدفنا واضح، أن تبسط القوات المسلحة اللبنانية سلطتها تدريجيا على كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها الجنوب، انسجاما مع القرارات السيادية للدولة اللنبانية، ووفقاً لقرارات
مجلس الأمن ذات الصلة". غير أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرتبطاً باستحقاق لا يقل أهمية كما قال، وهو الانسحاب
الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية".
تابع :" لا يمكن لأي دولة أن تستكمل بناء مؤسساتها وسيادتها فيما لا يزال جزءًا من أراضيها خاضعا للاحتلال. فالاحتلال يقوض مؤسسات الدولة، ويغذي عوامل التوتر ويؤخر العودة إلى الاستقرار السياسي والأمني كما يحول دون ممارسة الدولة سلطتها الكاملة على اراضيها. كما لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام ما لم تكن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر استخدام القوة المشروعة".
وأكد أن "الحكومة الحالية تبني رؤيتها للمستقبل على أساس أن لا سيادة كاملة لدولة يستمر على أرضها أي وجود عسكري أجنبي، ولا لدولة لا تمارس مؤسساتها الشرعية وحدها السلطة العامة واحتكار القوة". وإذ دعا فرنسا إلى "بناء شراكة لا تبقى محصورة في مفهوم التضامن وحده، بل المساعدة على ترسيخ توازن جديد وأكثر استقرارا، ودعم دولة استعادت طموحها في ممارسة كامل صلاحياتها والقيام بمسؤولياتها، جدد التأكيد على أن لبنان اختار الدولة والمؤسسات والسيادة وألا يكون بعد اليوم ساحة يتصارع عليها الآخرون أو مسرحا لتصفية حساباتهم أو وسيلة لتحقيق مشاريع لا تمت إلى مصلحة اللبنانيين بصلة".
ختم الوزير رجي داعيا فرنسا إلى "مواصلة ايمانها بأن لبنان السيد
الديمقراطي الذي تحكمه مؤسساته الشرعية ليس مجرد احتمال بل حقيقة يمكن ترسيخها".