لا يمكن اختصار ما خرجت به الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بالاتفاق على طريقة تنفيذ "المنطقة التجريبية"، بعد الغموض الذي أحاط به طيلة الأسابيع الأخيرة. فالبيان الذي أصدرته السفارة الأميركية بعد اجتماعات روما وضع هذه المرحلة ضمن مسار أوسع، يبدأ باستكمال هيكلية التنفيذ وإرشاداته، ثم ينتقل إلى محادثات تقنية تشمل كامل بنود الإطار الثلاثي.
بهذا المعنى، لم يعد
النقاش محصورًا بتحديد الرقعة التي ستنسحب منها القوات
الإسرائيلية، أو بكيفية انتشار
الجيش اللبناني فيها، ولا حتى بترتيب الخطوات الميدانية بين الطرفين وتراتبيتها، وهو ما تصدّر النقاش، وأثار الجدل في الآونة الأخيرة. فقد تحدث البيان الأميركي بوضوح عن هدف الوصول إلى "اتفاق شامل بين
إسرائيل ولبنان"، من دون أن يحدد طبيعة هذا الاتفاق أو حدوده السياسية والأمنية.
هنا يبرز السؤال الأساسي: هل لا يزال المسار يهدف أولًا إلى تنفيذ الانسحاب
الإسرائيلي من المناطق المحتلة واستعادة الدولة سيطرتها على الجنوب، أم أن "المنطقة التجريبية" يمكن أن تتحول إلى بوابة لتفاوض أوسع لم يُحسم سقفه بعد، خصوصًا أنّ الفارق كبير بين أن يأتي الاتفاق الشامل نتيجة لاحقة لاستعادة الأرض، وأن يصبح الانسحاب نفسه جزءًا من صفقة أكبر تنتظر اكتمال شروطها.
الانسحاب المؤجل
كان عنوان "المنطقة التجريبية" يوحي منذ البداية بمرحلة تنفيذية محدودة، هدفها اختبار قدرة الطرفين على الانتقال من النصوص إلى الميدان. وبحسب التفسيرات المتباينة، بدا أنّ هذه المرحلة تقوم على مجموعة خطوات متدرّجة: تنسحب إسرائيل من رقعة محددة، ينتشر الجيش اللبناني، تجري عملية التحقق، ثم تنتقل التجربة إلى مناطق أخرى. بهذا المفهوم، يفترض أن تكون المرحلة الأولى أداة لتنفيذ الانسحاب، لا مقدمة لإعادة التفاوض في مبدئه.
لكن على الأرض لم يحصل شيء من ذلك، وبدا أنّ إسرائيل تضع "شروطًا" لانسحابها، قبل أن ينقل بيان السفارة الأميركية النقاش إلى مستوى مختلف. فبعد الإعلان عن الاتفاق على "هيكلية وإرشادات آلية المنطقة التجريبية"، تحدث عن محادثات تقنية موسعة تشمل جميع بنود الإطار الثلاثي، وهو ما يعني أن تنفيذ المنطقة الأولى لن يكون مسارًا مستقلًا، وإنما جزءًا من عملية تفاوضية متواصلة تسعى
واشنطن إلى دفعها نحو صيغة أشمل.
لا تكمن المشكلة في توسيع البحث في ذاته، إذ يصعب فصل الانسحاب وانتشار الجيش ووقف الاعتداءات والترتيبات الأمنية بعضها عن بعض. لكن الخشية تبدأ حين يتوسع جدول الأعمال قبل تثبيت الانسحاب الإسرائيلي بوصفه التزامًا واجب التنفيذ، لا ورقة تفاوضية ضمن صفقة أكبر. عندها، قد يصبح كل تقدم ميداني مشروطًا بتفاهم جديد، وقد ينتقل لبنان من التفاوض على آلية استعادة أرضه إلى التفاوض على الثمن السياسي والأمني المرافق لهذه الاستعادة.
من يحدد معنى "الاتفاق الشامل"؟
لا يوضح البيان الأميركي المقصود بالاتفاق الشامل. فقد يكون الحديث عن تفاهم تنفيذي يضم الانسحاب، وانتشار الجيش، وترسيم النقاط العالقة، وضمان وقف الأعمال العدائية. وقد تكون العبارة أوسع من ذلك، بحيث تشمل ترتيبات أمنية طويلة الأمد أو قضايا سياسية تتجاوز إدارة المرحلة الحالية، وصولاً حتى الحديث عن اتفاق سلام أو تطبيع، ولو أنّ ذلك مستبعَد في الوقت الحاضر للكثير من الأسباب والاعتبارات.
تزداد أهمية هذا الغموض لأن لبنان دخل المسار تحت عنوان استعادة السيادة وإنهاء
الاحتلال وتثبيت سلطة الدولة. أما الانتقال إلى اتفاق شامل، فيحتاج إلى تحديد المرجعية التي تضع سقف المفاوضات، والجهة التي تمنح الوفد صلاحية مناقشة الملفات الإضافية، والحد الفاصل بين الترتيبات الضرورية لتنفيذ الانسحاب وبين الالتزامات السياسية التي قد تترتب على توسيع المسار.
المشكلة إذًا ليست في عبارة "الاتفاق الشامل" وحدها، وإنما في ترتيب الخطوات المؤدية إليه. فإذا انسحبت إسرائيل وانتشر الجيش واستعيدت الأراضي، يصبح النقاش اللاحق مرتبطًا بواقع جديد تتحرك فيه الدولة من موقع أقوى. أما إذا رُبط الانسحاب مسبقًا بالتوصل إلى الاتفاق الأوسع، فقد يتحول الاحتلال من واقع مطلوب إنهاؤه إلى ورقة ضغط تُستخدم للحصول على شروط إضافية في المراحل المقبلة.
قد تكون "المنطقة التجريبية" بداية ضرورية لاختبار القدرة على تنفيذ ما اتُفق عليه، وقد تكون المحادثات الموسعة وسيلة لمعالجة الملفات المتداخلة التي لا يمكن حلها بقرار واحد. لكن حماية المصلحة اللبنانية تقتضي تثبيت ترتيب واضح: انسحاب إسرائيلي قابل للقياس، وانتشار كامل للدولة، ثم بحث في القضايا التي تحتاج إلى تفاهمات أوسع. أما قلب هذا الترتيب، فقد يجعل استعادة الأرض نتيجة تنتظر "الاتفاق الشامل"، بدل أن تكون الأساس الذي يُبنى عليه أي اتفاق لاحق.