هو أمرٌ صعبٌ وثقيلٌ أن يمرّ تموز، وقلعة بعلبك غارقة في السكون. فالشهر الذي كان يشهد ذروة الصخب الثقافي، حيث تُضاء الأعمدة الرومانية وتزدحم الأدراج التاريخية بآلاف العشاق من كل مكان، يمرّ هذا العام باهتاً ومقفراً. فقد نجحت التوترات الأمنية في فرض تأجيل قسري لمهرجانات بعلبك الدولية لعام 2026، لتحرم اللبنانيين والمغتربين والسياح من موعدهم الثقافي المعتاد، وتترك حكايات الفرح معلّقة حتى إشعار آخر، وتفرمل قطار احتفالية استثنائية ضخمة كان من المفترض أن تُقام هذا الصيف بمناسبة مرور سبعين عاماً على تأسيس هذا الصرح العريق.
جرح اقتصادي وخيار الصمود
خلف كواليس المسارح المطفأة في بعلبك، ثمة جرح اقتصادي وإنساني نازف تعيشه المنطقة؛ فالموسم الذي يُشكّل شريان الحياة الحيوي للبقاعيين تبدّد هذا العام. ويرى عضو اللجنة التنفيذية للمهرجانات، المهندس حماد ياغي، عبر "
لبنان 24"، أنه حين تغيب مهرجانات بعلبك، تفقد المدينة نبض سياحتها الداخلية والخارجية. فالفنادق والمطاعم تعيش اليوم ركوداً خانقاً وتتكبد خسائر فادحة.
ويقول ياغي إن رؤية قلعة بعلبك خالية من زوارها وسياحها تعكس حجم الخسارة المعنوية والاقتصادية التي نمر بها؛ فالأوضاع لا تبشّر بالخير، والفعاليات معلّقة قسراً. ويضيف أنه، بالرغم من كل شيء، يبقى خيارنا الوحيد هو
المقاومة؛ فصحيح أن الأدراج لن تهتز هذا الصيف على وقع العروض، لكن أبواب القلعة التاريخية ستبقى مشرّعة ومفتوحة أمام الزائرين، فيما تصارع المطاعم والمقاهي للاستمرار... فنحن شعب يريد أن يعيش ويفرح رغم لغة الحرب والموت.
توثيق الذاكرة بسبعين شمعة
ورغم تأجيل الموعد المنتظر، فإن إدارة المهرجان رفضت الاستسلام للركود؛ إذ قررت استثمار هذه الفترة الصعبة في مشروع وثائقي ضخم لإصدار كتاب توثيقي يمثّل "أرشيفاً حياً لذاكرة المهرجان" بمناسبة مرور سبعين عاماً على التأسيس، ويرصد أبرز محطاته الإبداعية منذ استئناف نشاطه عام 1997 عقب انتهاء الحرب
اللبنانية.
وبالعودة إلى التاريخ، ليست هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها بعلبك نفسها في مواجهة التحديات الوجودية؛ فالمسيرة الممتدة للمهرجان على مدى سبعة عقود تكشف عن جينات صمود حقيقية قادرة على ابتكار الحياة من قلب الحروب والدمار. فالمهرجان العريق، الذي انطلق عام 1956 واستضاف على أدراجه كبار النجوم، أمثال فيروز، صباح، وديع الصافي، أم كلثوم، لويس أرمسترونغ، شارل أزنافور، هربرت فون كارايان وغيرهم، واجه أعتى الأزمات. فخلال حقبة الحرب الممتدة بين 1975 و1990، أُطفئت الأنوار قسراً لسنوات طويلة، لكنه عاد لينتفض بقوة عام 1997، مستعيداً
بريقه وهويته العالمية الشامخة.
وفي صيف عام 2006، تسببت الحرب بتعطيل معظم الحفلات، لتكتفي اللجنة آنذاك بنقل عرض واحد فقط إلى العاصمة
بيروت. وتكرر المشهد عام 2013، حين فرضت ارتدادات الحرب في
سوريا المجاورة والمخاوف الأمنية المرتبطة بها نقل الأنشطة قسراً من "مدينة الشمس" إلى موقع خان الحرير الأثري في منطقة "جديدة المتن" في ضواحي بيروت الشمالية.
ولم يتوقف هذا التحدي عند حدود الحروب العسكرية، بل تجلّى في ذروة جائحة
كورونا عام 2020، وفي ظل أسوأ أزمة مالية عرفها
لبنان، حيث رفضت اللجنة الاستسلام، وقدّمت حفل "صوت الصمود" من دون جمهور في باحة المعابد، ليعبر عبر الشاشات ويزرع الأمل في البيوت. وقد مهّد هذا الإصرار لمرحلة التعافي والتمرد بين عامَي 2022 و2023، حين فكّ المهرجان عزلته وفُتحت الأذرع مجدداً لعروض دولية، ليعيد الصبغة العالمية كبقعة ضوء تتحدى عتمة غياب الدعم الرسمي.
لكن في صيف عام 2024، وبسبب التوترات الأمنية، اكتفت اللجنة بتنظيم حفل رمزي واحد حمل عنوان "أوتار بعلبك"، أقيم في مسرح كركلا بمنطقة حرش تابت، تأكيداً على استمرار النبض الثقافي رغم خطورة الميدان. لكن الإصرار تجلّى مجدداً في صيف عام 2025، حين نفضت "مدينة الشمس" غبار الحرب، وعادت المهرجانات لتنبض بالحياة على أدراج القلعة متحديةً كل الظروف، قبل أن تفرض التطورات الأمنية الراهنة استراحة محارب جديدة هذا العام.
إن غياب مهرجانات بعلبك هذا العام ليس إلا محطة موقتة فرضتها قسوة الظروف والوضع الأمني الهش. فالقلعة التي تصدّت للحروب والزلازل عبر التاريخ لن يطول ظلامها؛ وستعود تلك الأعمدة الأثرية لتضاء بالحب، وتزدحم المدرجات مجدداً بالرواد فور بزوغ فجر الاستقرار والهدوء، لتستكمل بعلبك رسالة لبنان الأبدية في صون الإنسان وتقدير الفن والجمال والإبداع.