تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

زوطر الغربية تعود… لكن إلى أي حياة؟

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
22-07-2026 | 14:00
A-
A+
زوطر الغربية تعود… لكن إلى أي حياة؟
زوطر الغربية تعود… لكن إلى أي حياة؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يعود أهالي زوطر الغربية إلى بلدتهم، لكنهم لا يعودون هذه المرة كما عادوا بعد جولات سابقة من التصعيد. فالطريق إلى المنازل لم يعد مجرد مسافة يقطعها النازح من مكان إقامته المؤقت إلى قريته، بل أصبح عبوراً إلى منطقة تدخل للمرة الأولى في اختبار أمني وسياسي يحمل اسم "البلدة التجريبية".

بدأ الجيش انتشاره في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، فيما طُلب من السكان تأخير عودتهم ريثما تنتهي عمليات المسح وإزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلّفات الحرب. ووصل الأمر إلى منع الأهالي من الدخول في الساعات الأولى، رغم محاولاتهم الوصول إلى منازلهم ومعرفة ما حلّ بها.
Advertisement

لكن انتهاء عمليات المسح وفتح الطريق أمام السكان لن يعني أن البلدة استعادت حياتها الطبيعية. فزوطر الغربية ستكون أول مكان يُختبر فيه نموذج "المناطق التجريبية"، وبالتالي ستتحول يوميات أهلها إلى جزء من عملية سياسية وأمنية أكبر منهم، تُراقب تفاصيلها الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، ويُقاس نجاحها أو فشلها تمهيداً لتطبيقها في بلدات جنوبية أخرى.

هنا تحديداً تبدأ الأسئلة.
هل ستكون العودة مفتوحة ودائمة، أم مرتبطة بتعليمات أمنية يمكن أن تتغير في أي لحظة؟ هل سيتمكن المواطن من الدخول إلى أرضه متى يشاء، أو ترميم منزله، أو نقل مواد البناء، أو استقبال أقاربه؟ ومن يضمن ألا تتحول التحركات اليومية داخل البلدة إلى ملف يخضع للمراقبة والتدقيق والاشتباه؟

حتى مع انتشار الجيش داخل زوطر الغربية، يبقى الواقع المحيط بها شديد التعقيد. فالقوات الإسرائيلية لا تزال موجودة في مناطق أخرى من الجنوب، بينما تتمسك إسرائيل ببقاء نطاق أمني واسع وتربط انسحابها الكامل بملفات سياسية وعسكرية لم تُحسم بعد. وهذا يعني أن أهل البلدة قد يجدون أنفسهم داخل مساحة لبنانية يديرها الجيش، لكنها تبقى مكشوفة على جنود الاحتلال ومواقعه وطائراته وقراراته الأمنية.

من هنا يصبح وصف البلدة بأنها "سجن مكشوف" أكثر من مجرد مبالغة لغوية. فالسجن لا يعني دائماً وجود جدران وأسلاك شائكة، بل قد يكون مساحة محددة يستطيع المواطن الإقامة داخلها، من دون أن يمتلك حرية الحركة الكاملة منها وإليها، أو الشعور بأن أمنه وحقه في البقاء مضمونان.

كما أن زوطر الغربية لا تستطيع أن تعيش معزولة عن محيطها. فالبلدة ترتبط حياتياً بزوطر الشرقية والنبطية والقرى المجاورة، حيث المياه والمحال التجارية والخدمات الطبية ومصادر الرزق. وأي قيود على الطرق أو الحركة بين هذه المناطق ستجعل العودة شكلية؛ إذ لا تكفي استعادة المنزل إن كان الوصول إلى الصيدلية أو المتجر أو المدرسة أو مكان العمل محفوفاً بالحواجز والمخاطر.

أما التحدي الأول أمام المواطن، فيبدأ من المنزل نفسه. فعدد من العائدين سيجدون أضراراً تحتاج إلى ترميم، وطرقات تحتاج إلى فتح، وشبكات كهرباء ومياه واتصالات تحتاج إلى إصلاح. وقد تعني العودة بالنسبة إلى بعض العائلات الانتقال من مركز نزوح إلى منزل غير صالح للسكن، من دون تعويض سريع أو قدرة مالية على إعادة بنائه.

وقد تعهّدت الحكومة بفتح الطرق وإزالة الركام وإعادة الخدمات، لكن نجاح العودة لن يُقاس برفع العلم اللبناني أو القيام بزيارة رسمية، بل بسرعة وصول المياه والكهرباء والاتصالات، وبقدرة الناس على ترميم منازلهم واستعادة أعمالهم وأراضيهم.

التحدي الأكبر يقع على الدولة. فاختيار زوطر الغربية لتكون البلدة التجريبية الأولى يجعل منها امتحاناً لصدقية الدولة أمام أبناء الجنوب. لا يكفي أن تطلب الدولة من الناس العودة أو الالتزام بتعليمات الجيش؛ بل عليها أن تشرح لهم طبيعة المرحلة وحدودها ومدتها والضمانات التي حصلت عليها.

يحتاج الأهالي إلى معرفة من يقرر فتح الطرق وإغلاقها، وما هي الإجراءات المعتمدة عند وقوع خرق إسرائيلي، ومن يتولى التعويض عن الأضرار، وما إذا كانت العودة نهائية أم قابلة للتراجع. فالغموض في منطقة خارجة من الحرب لا يصنع أمناً، بل يضاعف الخوف والشائعات.

ويقف الجيش أمام أكثر المهمات حساسية. فهو مطالب بحماية السكان، وإزالة الذخائر، وضبط الأمن، ومنع أي نشاط يمكن أن يعرض البلدة للاستهداف، وفي الوقت نفسه تجنب التحول إلى قوة تفصل الأهالي عن منازلهم أو تنفذ قيوداً لا يفهمون أسبابها.

لن تكون مهمة الجيش سهلة، خصوصاً إذا بقيت القوات الإسرائيلية قريبة أو استمرت الخروقات. فالجيش سيكون في الواجهة أمام المواطنين، بينما قد تبقى القرارات الكبرى مرتبطة بالمفاوضات والتنسيق الدولي. وأي حادث أمني سيضعه أمام اختبار صعب: حماية الأهالي والسيادة، من دون الانجرار إلى مواجهة لا يملك قرارها ولا إمكاناتها.

زوطر الغربية اليوم هي نموذج سيحدد شكل العودة إلى بلدات أخرى، وسيكشف ما إذا كانت "المناطق التجريبية" طريقاً نحو انسحاب إسرائيلي كامل واستعادة السيادة، أم صيغة جديدة لإدارة الاحتلال وتثبيت مناطق محدودة للحياة تحت رقابة عسكرية دائمة.

الأهالي يريدون العودة، لكنهم لا يريدون أن يتحول حقهم الطبيعي في السكن داخل بلدتهم إلى امتياز مؤقت تمنحه التفاهمات أو تسحبه التطورات. يريدون بيوتهم وأراضيهم وطرقاتهم، لا مجرد السماح لهم بالإقامة داخل نطاق جغرافي مغلق.

فالعودة الحقيقية لا تبدأ عند دخول المواطن منزله فقط، بل عندما يستطيع أن يفتح بابه من دون خوف، ويسلك الطريق من دون إذن، ويزرع أرضه من دون مراقبة، ويعرف أن الجيش الموجود في بلدته يحمي سيادة دولته، وأن أي جندي إسرائيلي لم يعد قادراً على التحكم بمصير حياته.

وإلى أن تتحقق هذه الشروط، ستبقى عودة أهالي زوطر الغربية عودة ناقصة: خطوة مهمة في اتجاه البيت، لكنها لا تزال بعيدة عن استعادة الوطن كاملاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi