بعد أكثر من أربع
سنوات من التقاضي، حصل المودع في "فرنسبنك" عياد الغراباوي
إبراهيم على كامل وديعته وفوائدها، في واقعة وصفتها الجهة التي تولت تمثيله بأنها الأولى من نوعها منذ انفجار الأزمة المالية والمصرفية واحتجاز الودائع عام 2019. فقد تسلّم في 16
تموز شيكين بالدولار الطازج وشيكًا بالليرة
اللبنانية، بعد مسار قضائي طويل انتهى بإجراءات تنفيذية ضد المصرف.
تتجاوز أهمية القضية المبالغ المدفوعة، والتي بلغت، وفق تحالف "متحدون"، 34 ألفًا و120 دولارًا من أصل الوديعة، و13 ألفًا و818 دولارًا من الفوائد، إضافة إلى نحو 30 مليون ليرة من نفقات التنفيذ. فالحدث الأهم هو انتقال حق المودع من حكم قابل للطعن والتعطيل إلى أموال أُجبر المصرف على تسديدها بشيكات قابلة للتحصيل خارج القيود المفروضة على الودائع، لا بشيك مصرفي محجوز داخل النظام نفسه.
القضية لم تكن تسوية ودية ولا استثناءً منحه المصرف طواعية. بدأ المسار عام 2022 وتضمّن حجزًا على أصول وأموال المصرف، ومواجهة قانونية طويلة مرّت بالاستئناف والتمييز وطلبات وقف التنفيذ، قبل أن تصل إلى الدفع الفعلي. لكن نجاح مودع واحد في اختراق القيود التي فرضتها المصارف يفتح سؤالًا أكبر من قضيته:هل يشق ما حصل طريقًا يمكن أن يسلكه بقية المودعين، أم يكشف أن
القضاء قادر على إنصاف أفراد فقط، بينما تبقى الأزمة الجماعية بلا حل؟
ما الذي كسره التنفيذ القضائي؟
يحمل الانتقال من حكم على الورق إلى تنفيذ فعلي بشيكات بالدولار الطازج قيمة تتجاوز رقم القضية نفسها. فبعض النزاعات المصرفية السابقة انتهى بشيكات فاقدة لقيمتها العملية، أو بقي معلقًا في مراحل الطعن والتنفيذ سنوات طويلة من دون نتيجة ملموسة. من هنا، تكمن الدلالة الأولى للتنفيذ القضائي في أنه أعاد التعامل مع الوديعة بصفتها التزامًا على المصرف، لا رقمًا مجمدًا يخضع لما تقرره التعاميم والقيود المتغيرة.
فمنذ بداية الأزمة، لم يُقر
لبنان قانونًا واضحًا لضبط التحويلات والسحوبات، فيما تفاوتت معاملة المودعين بين مصرف وآخر، وتبدلت قدرتهم على الوصول إلى أموالهم بحسب التعاميم وحجم الحساب والعملة والتوقيت. وقد أدى هذا الواقع إلى تحويل العلاقة بين المودع والمصرف من علاقة تعاقدية يفترض أن تكون شروطها معروفة إلى نظام استثنائي يحدد قواعده الطرف الذي يحتجز المال. حصل بعض المودعين على سحوبات شهرية محدودة، واضطر آخرون إلى تحويل دولاراتهم إلى الليرة بأسعار تقل عن قيمتها، فيما بقيت الودائع الكبرى شبه مجمدة.
لكن قيمة القضية لا تكمن في أنها حلّت الأزمة، وإنما في أنها أثبتت إمكان كسر الحصار المفروض على وديعة محددة، حين يواصل صاحبها المعركة القانونية حتى نهايتها. من هذه الزاوية، لم يبتكر الحكم حقًا جديدًا بقدر ما أعاد تفعيل حق كان معطلًا. فهو يثبت أن المصرف يمكن أن يُلزم بالتسديد عندما يصل النزاع إلى التنفيذ، لكنه لا يعني أن كل مودع بات قادرًا تلقائيًا على تكرار النتيجة نفسها.
عدالة لمن يصل أولًا؟
تظهر هنا حدود الطريق القضائي. فليس جميع المودعين قادرين على تحمّل دعوى تمتد أربع سنوات ونصف، أو دفع تكاليفها، أو متابعة مراحلها، أو مواجهة مصرف يملك فرقًا قانونية وموارد تسمح له باستنفاد وسائل الاعتراض والتأخير. لذلك، قد ينجح القضاء في إنصاف حالات محددة، لكنه لا يستطيع بمفرده تصميم حل مالي يشمل مئات آلاف المودعين، وينظم مصير حساباتهم، ويوزع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية.
كما أنّ تعدد الأحكام الفردية قد يخلق تفاوتًا جديدًا بين المودعين أنفسهم، فالمودع الأسرع في الحصول على حكم وتنفيذه قد يستعيد كامل أمواله، فيما ينتظر مودع آخر أو يقبل بسحوبات مجتزأة، رغم أن كليهما أودع أمواله وفق الشروط نفسها. ومع محدودية السيولة والأصول المتاحة، يمكن أن تتحول استعادة الودائع إلى سباق على ما بقي داخل المصارف، بدل أن تستند إلى ترتيب عادل وشفاف للحقوق.
يأتي ذلك فيما لا يزال مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع أمام
البرلمان، بعدما أقرّته الحكومة في كانون الأول 2025 بوصفه محاولة لتوزيع الخسائر وتنظيم السداد التدريجي. وقد واجه المشروع اعتراضات من المودعين والمصارف وقوى سياسية، فيما وصفه
صندوق النقد الدولي بأنه خطوة أولى، مطالبًا بتعديلات توضح تراتبية تحمّل الخسائر، وتضمن أن يتحملها المساهمون والدائنون الأدنى مرتبة قبل المساس بحقوق المودعين.
ما فعله هذا التنفيذ القضائي هو إعادة الاعتبار إلى الوديعة بوصفها حقًا قابلًا للتحصيل فعليًا، بعد سنوات عوملت فيها كخسارة ينبغي أن يتقاسمها صاحبها مع الدولة والمصرف. لكنه كشف أيضًا حدود العدالة الفردية، إذ لا يمكن بناء حل لأزمة وطنية على قدرة كل مودع على خوض معركة قضائية منفصلة. فما استعاده مودع واحد بالقضاء يجب أن يدفع الدولة إلى بناء قاعدة تحمي الحق نفسه للجميع، لأن الانتصار الحقيقي لا يكتمل حين يستعيد شخص واحد وديعته، وإنما حين يصبح الحق الذي انتزعه متاحًا وفق قاعدة عادلة وواضحة للجميع.