فتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال استقباله الرئيس جوزاف عون في أنقرة في 30 تموز، بابًا جديدًا في النقاش الدائر حول مستقبل الأمن في جنوب
لبنان، بإعلانه رغبة بلاده في المشاركة في المبادرات التي ستُطلق بعد انسحاب قوة
الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل"، وتأكيده استعداد تركيا لدعم أمن لبنان وسيادته ومواصلة مساندة الجيش اللبناني.
يأتي
العرض التركي فيما يقترب لبنان من محطة مفصلية في نهاية عام 2026. فمجلس الأمن مدّد، بموجب القرار 2790، مهمة "اليونيفيل" للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ وتُنجز انسحابها المنظم والآمن خلال سنة. وفي المقابل، تتحرك فرنسا وإيطاليا لإطلاق ائتلاف متعدد الجنسيات داعم للبنان، فيما تطرح الأمم المتحدة خيارات لحضور أممي جديد، من دون أن تُحسم بعد طبيعة الترتيبات التي ستخلف القوة الحالية.
لا تبدأ تركيا من خارج المشهد القائم. فهي من الدول التي شاركت بسفن في القوة البحرية التابعة لـ"اليونيفيل"، والتي تساعد البحرية
اللبنانية على مراقبة المياه الإقليمية والمداخل البحرية ومنع دخول الأسلحة غير المصرح بها. لكن الانتقال من مشاركة بحرية محددة تحت راية الأمم المتحدة إلى دور محتمل في الترتيبات الأمنية الأوسع يطرح سؤالًا يتجاوز عدد الجنود والسفن: هل يوسّع الحضور التركي خيارات لبنان، أم ينقل التنافس الإقليمي والدولي إلى القوة التي يُفترض أن تساعده
على استعادة سيادته؟
من مهمة بحرية إلى موقع سياسي
تدخل تركيا النقاش حول ترتيبات ما بعد "اليونيفيل" بأفضلية لا تتوافر لدولة تبدأ حضورها في الجنوب من الصفر، إذ تمتلك خبرة سابقة في الميدان اللبناني وعلاقة مؤسسية مع الجيش. فمنذ إنشاء القوة البحرية التابعة لـ"اليونيفيل" في تشرين الأول 2006 بطلب من الحكومة اللبنانية، شاركت أنقرة بسفن إلى جانب عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، ضمن مهمة تشمل مراقبة حركة الملاحة والتنسيق مع البحرية اللبنانية وبناء قدراتها من خلال التدريب والمساعدة التقنية.
غير أن الدور البحري بقي محكومًا بتفويض واضح وسلسلة قيادة أممية وقواعد اشتباك محددة، في حين يأتي العرض الجديد في مرحلة يُعاد فيها رسم شكل الحضور الدولي كله. فتركيا لا تكتفي هذه المرة بمواصلة مهمة تقنية قائمة، إذ تعلن استعدادها للدخول في أي مبادرة أمنية تنشأ بعد "اليونيفيل"، وهو ما يمنح العرض بعدًا إقليميًا أوسع، ولا سيما أن أردوغان ربط، في تصريحات له، بين الهجمات
الإسرائيلية في لبنان وسوريا وبين الأمن القومي التركي.
بالنسبة إلى لبنان، قد يوفر العرض التركي مصدرًا إضافيًا لدعم الجيش، خصوصًا في المجالات البحرية والتدريبية والتقنية وإزالة مخلفات الحرب. كما يمنح الحكومة اللبنانية هامشًا أوسع عند التفاوض على تشكيل القوة المقبلة، فلا تصبح مضطرة إلى قبول صيغة أوروبية واحدة بوصفها الخيار الوحيد المتاح. غير أن الخبرة التركية السابقة وتعدد الخيارات المتاحة أمام لبنان لا يكفيان وحدهما لتحويل العرض إلى مكسب، لأن توسيع الدور يحتاج أولًا إلى حسم الإطار الذي سيعمل من خلاله، والقبول السياسي الذي يحظى به، والوظيفة التي سيتولاها داخل المشهد الأمني القائم.
من الأفضلية الميدانية إلى اختبار الشروط
يبقى تحويل هذه الأفضلية الميدانية إلى دور
تركي أوسع رهن مجموعة من الشروط، يبدأ أولها بالإطار القانوني الذي ستعمل القوة من خلاله، إذ تختلف مشاركة أنقرة تحت تفويض صادر عن مجلس الأمن عن انضمامها إلى ائتلاف متعدد الجنسيات يُنشر بناء على اتفاق مع الحكومة اللبنانية. وتمنح الصيغة الأممية القوة شرعية دولية وقواعد موحدة، فيما يسمح الترتيب المتعدد الجنسيات بمرونة أكبر في تحديد العدد والمهام، لكنه يفتح في المقابل نقاشًا حول المرجعية السياسية والقيادة والجهة التي تتولى مراقبة عمل القوات ومحاسبتها.
أما الشرط الثاني فيرتبط بالقبول السياسي. فأي وجود تركي أوسع يحتاج إلى موافقة لبنانية رسمية وتوافق داخلي يمنع تحوله إلى مادة جديدة للانقسام حول أدوار الدول الإقليمية. كما يرجح أن يواجه اعتراضًا إسرائيليًا بسبب التوتر الحاد بين أنقرة وتل أبيب ومواقف أردوغان من الحروب الإسرائيلية في المنطقة. ورغم أن
إسرائيل لا تملك حق اختيار الدول التي تعمل داخل الأراضي اللبنانية، فإن موقفها سيؤثر عمليًا في قدرة القوة الجديدة على التواصل بين طرفي الحدود وأداء أي مهمة مرتبطة بالتهدئة أو مراقبة الخروقات.
ويتمثل الشرط الثالث في تحديد الوظيفة نفسها. فالجنوب يضم الجيش اللبناني و"اليونيفيل" حتى نهاية العام، إضافة إلى آلية مراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية، وقد يشهد لاحقًا وجود مراقبين أمميين وقوة متعددة الجنسيات وجهة مكلفة بالتحقق من تنفيذ التفاهمات الأمنية. وبالتالي، فإنّ إدخال تركيا أو غيرها من دون توزيع دقيق للصلاحيات قد يضاعف عدد الجهات التي تراقب وتبلّغ وتتوسط، من دون أن يحسم من يملك القرار عند وقوع خرق أو اختلاف في تفسير الاتفاق.
لذلك، لا تُقاس قيمة العرض التركي بعدد القوات التي تستطيع أنقرة إرسالها، ولا بقدرته على موازنة الحضور الفرنسي والإيطالي. المعيار الأساسي هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستحدد مسبقًا شكل المساعدة التي تحتاج إليها، والمرجعية التي ستدير هذا الحضور، والمهلة المحددة لانتهائه مع انتقال المسؤولية كاملة إلى الجيش.
فعندما تنزل راية "اليونيفيل"، لن يكون التحدي العثور على دول راغبة في رفع راياتها مكانها، بقدر ما سيكون منع تعدد هذه الرايات من إنتاج وصايات أمنية متجاورة. فهل يتحول الدعم الدولي المقبل إلى جسر يتيح للدولة تسلّم الجنوب، أم يصبح ترتيبًا دائمًا لإدارة عجزها عن تسلمه؟