تحت عنوان تكريم "البعثي الأخير" عبد المجيد الرافعي، كتب غسان ريفي في صحيفة "السفير": استعادت الفيحاء نبضها القومي، بتكريم نائبها السابق وحكيمها الدكتور عبدالمجيد الرافعي، بدعوة من "جمعية العزم".
اجتمعت طرابلس بكل مكوّناتها وأطيافها في "مسرح العزم" وخارجه، لاحتضان "البعثي الأخير"، الطبيب الذي وهب نفسه لقضيته وأبناء مدينته، فسخّر السياسة للعمل الاجتماعي والإنساني، فاستوطن وجدان الطرابلسيين الذين استذكروا في عجالة التكريم مَن سعى بالطبابة الى المرضى ليلاً ونهاراً، وحمل هموم الفقراء والمساكين، وناضل من أجل أن تكون الفيحاء قبلة أنظار العرب.
شخصت الأبصار الى ذلك القائد الشعبي الذي نشأ على المبادئ القومية، وتأثر بالمناضل فوزي القاوقجي، وشارك في تظاهرات الاستقلال مع الذين استشهدوا تحت جنازير الدبابات الفرنسية، وانتسب الى حزب البعث العربي الاشتراكي، وآمن بالقضية الفلسطينية، وخاض الانتخابات النيابية مرات عدة ضد الشهيد رشيد كرامي الى أن فاز في العام 1972حاصداً أعلى الأرقام، وظل يمارس دوره النيابي حتى العام 1983، حيث غادر طرابلس قبل اقتحام منزله من قبل "حركة التوحيد الإسلامي"، ودعا مناصريه الى إلقاء السلاح حقناً للدماء، وانتقل الى العراق، حتى شباط 2003 قبل الاجتياح الأميركي بشهر واحد، حيث غادر الى باريس، ومن ثم عاد الى مدينته طرابلس في العام نفسه، واستأنف نشاطه السياسي فيها والمستمر حتى يومنا هذا.
تجاوز الرافعي التسعين من العمر، من دون أن يهون عزمه أو تشيخ ذاكرته التي جسّدها تأريخاً لعقود من النضال مع رفاق استشهدوا، ومع آخرين حضروا ليكونوا الى جانبه، في لقاء عاطفي، وجداني، بكى فيه "الطبيب الطيب" تأثراً، وأبكى كل الحضور الذين صفقوا وقوفاً للرجل الذي دخل الى كل بيت والى كل قلب في المدينة.
حرصت "جمعية العزم" على تأمين كل مندرجات التكريم لـ "حكيم طرابلس"، فأعلن مشرفها العام الدكتور عبدالإله ميقاتي عن إطلاق جائزة الدكتور عبد المجيد الرافعي لأفضل بحث علمي في مجال الطب والصحة العامة، وعن تقديم منحة جامعية لدراسة الهندسة المعمارية في جامعة العزم باسم رفيقة نضاله زوجته السيدة ليلى بقسماطي كما أعلن رئيس البلدية أحمد قمر الدين عن تسمية شارع في طرابلس باسمه، قبل أن يقدم فنان طرابلس عمران ياسين رسماً له.
أما الرئيس نجيب ميقاتي الذي قدّم للرافعي درعاً تقديرية، فقد فاجأه بجمع كل مداخلاته وتصريحاته في مجلس النواب منذ العام 1972 ضمن مجلد، ليصار في المستقبل القريب الى اعتماده مادة تدرس في اختصاص العلوم السياسية.
وحرص ميقاتي على استعادة بعض مواقف الرافعي وأسقطها على الواقع الحالي، وذلك في رسالة سياسية واضحة إلى من يعنيهم الأمر سواء بالإمعان في حرمان وتهميش طرابلس التي طالب الرافعي بإنصافها وتشغيل مرافقها لا سيما المعرض والمرفأ منذ ذاك التاريخ، وصولاً الى التحذير من الانفجار إذا لم يُصَر الى تغيير قواعد الحكم، أو لجهة الميثاقية التي هي ليست توزيع أدوار واقتسام مناصب، بل هي ممارسة ديموقراطية وطنية وعروبية بعيداً عن أي تسلط أو تبعية أو تنكر للانتماء العربي الثابت.
وخاطب الوزير رشيد درباس المُكرَّم الرافعي بالقول: "لسنا هنا لنرثي نضالنا ونبكي، فمثلك لا ينبغي له تقبُّل العزاء. لأن مسيرتك ستبقى صامدة بوجه النكسات والنكبات وعبرة لمن يريد أن يعتبر، وأسوة حسنة، وعيّنة من معادن الرجال".
ورأى الوزير السابق إدمون رزق أن الرافعي لبناني متجذّر وعربي أصيل، لم يتحزّب ولم يتعصّب، وهو عمل على أسس المواطنة وجوهر الوحدة الوطنية، في وثيقة الوفاق، والدستور، لإخراج لبنان من دوّامة التعاسة وحمأة الفساد.
وفي الختام أوصى الرافعي أبناء طرابلس أن يكونوا دائماً على عهد المدينة الفاضلة.
(غسان ريفي - السفير)