في خلال جلسة انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، سُجلّت أكثر من "مشاغبة" لم تُجزم هوية مرتكبها من السادة النوّاب حتى الساعة. استعان "الأستاذ" بمطرقته أكثر من مرة لفرض النظام والهدوء. صرخ كثيراً، أنّب أكثر، وأقرّ بحقيقة مخزية بعد أن فاض الغضب: "صرلنا زمان ما انتخبنا الظاهر النا حق انو نتعلم بعد يلا"!
بعد تمديدين للمجلس النيابي فرضهما اصحاب السعادة والأحزاب السياسية على الشعب اللبناني الذي "بلع الموسى" والثورة فتقيأ المواطنة، كان القول الاستهزائي الذي تلفّظ به الرئيس نبيه بري تحت قبة البرلمان في محلّه. نسي أو تناسى النوّاب أصول الانتخاب وقواعده. عملياً، شاركت أغلبية السياسيين والحكام في نسف دستور هذه الجمهورية العائمة على شواذ والغارقة في فساد، منذ لحظة الإجماع على ضرورة الاجماع المسبق حول اسم سيّد القصر، ليتحوّل الاقتراع من سريّ إلى انتخاب برفع اليد علناً!
ولعلّ "بروفه" الانتخابات الرئاسية تقودنا إلى ضرورة طرح سؤال موجع ومخزي: هل ينسحب نسيان أو تناسي كيفية الانتخاب على الشعب أيضاً؟
قد يكون أكبر مؤشر لهذه الحال المتوقعة هو عدم اكتراث قسم كبير من الشعب اللبناني بالانتخابات النيابية المرتقبة بعد حوالى سبعة أشهر من الآن، لا بل أكثر، تراخيهم في الضغط على المعنيين تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن.
ففي ظلّ التأخر بتشكيل الحكومة، بدأ الحديث يتزايد عن احتمال نسف الانتخابات النيابية، أو في أفضل أسوأ الحالات، إجرائها وفق القانون الحالي.
وعلى حدّ علم الجميع أن من مهام هذه الحكومة اجراء الانتخابات، مع ما يعنيه ذلك من احترام للمهل الدستورية التي باتت داهمة، وبهذا يكون عمرها الحتمي لا يستأهل كل هذه المراوحة والتعجيزات والشراهة على تقاسم الجبن والحلوى.
وبما أن اللبنانيين سُلبوا حق اختيار ممثليهم مرتين، فتعايشوا مع هذا الواقع الشاذ حتى كاد يصير طبيعياً، قد يكون من الملّح الآن إقامة ورشة تدريب مفتوحة تستمرّ حتى شهر شباط كحدّ أقصى، بحيث تُسلّط الأضواء على أهمية الانتخابات النيابية والاتيان بمجلس جديد يلبي الطموحات ويبتدع التشريعات، ما يؤدي حتماً إلى تحريك الشعب باتجاه رفض المماطلة الحاصلة في تشكيل الحكومة، وفي أفضل الأحوال إلى انتزاعه من دور الببغاء الذي يؤديه عند كل استحقاق. فليس أسوأ من أن يصدق بعض المواطنين الذرائع التي يتلطى خلفها السياسيون من أجل تنفيذ مخططاتهم غير المعلنة، فيجتمعون في الأمسيات متجادلين حول أحقية هذا الحزب بنيل تلك الحقيبة أو صوابية ذاك المسؤول في تصنيفه الوزارات ومستوياتها!
ذاكرتنا على الأغلب، مثقوبة. وهنا النقمة والنعمة. بلحظة ننسى تمديدين، وننسى فراغاً رئاسياً لسنتين، وشهوراً من تصريف الأعمال، وفساداً وأكوام نفايات ومسرطنات. وعلى غفلة قد نصحو على من يخبرنا بأن الانتخابات طارت، "مع الاعتذار الشديد". حينها، لن تنفع "يا عيب الشوم" التي توّجه الأستاذ بها إلى ممثلينا في البرلمان!