إذا كان التاريخ قد خصّ مدينة طرابلس في شمال لبنان باحتضان أوّل مجتمعٍ تعدُّديٍّ في حوض البحر الأبيض المتوسّط إثر تمكُّنها من تأسيس وترسيخ مفاهيم ثقافة "العيش معًا" بين الصوريّين والصيدانيّين والأرواديّين قبل آلاف السنين، تمامًا مثلما خصّتها الجغرافيا ببَرَكة التظلُّل بفيِّ أرز الربّ الشامخ عاليًا في السماء، وكذلك بنعمة الارتواء من المياه المتدفِّقة عبر وادي قاديشا المقدّس، فإنّ لا غرابة على الإطلاق في أن تُنجِب لنا هذه الـ "تريبوليس" الجميلة، بفرحٍ واعتزازٍ، صَبيّةً جميلةً تأخذ على عاتقها مسؤوليّة الإسهام في العمل على إعادة الاعتبار للتاريخ، والرونق للجغرافيا، والروح لآليّات بناء المجتمع اللبنانيّ المتنوِّع والمتكاتِف والمتجانِس والمتكافِل في آنٍ معًا، حيث القوميّة موحِّدةٌ والهويّة موحَّدةٌ، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ في هذه الأيّام، وبفرحٍ واعتزازٍ أيضًا، من خلال النشاطات الرمضانيّة المبهرة التي ما زالت تجمع بين كافّة أبناء الوطن يومًا بعد يومٍ، من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى ساحله، وسط أرجاء "خان العسكر" التاريخيّ الشهير في طرابلس العتيقة، وهي النشاطات التي يُجمع العارفون بشؤونها وشجونها على الاعتراف بما خلَّفته بصمات فرح عيسى من تمايُزٍ وتألُّقٍ فيها.
هذه الفرح الآتية إلينا "على وقع الكعب العالي"، مرورًا بـ "حديث الكبرياء"، وهما مؤلَّفان مرهَفان من نتاجها الأدبيّ، صدر الأوّل عن دار النهار عام 2015 والثاني عن دار ميرزا في مطلع العام الحاليّ، كان لا بدّ لها من أن تصل تلقائيًّا بخطواتها الثابتة، وبلباقتها المعهودة، إلى المجلس السياحيّ في مدينةٍ كاد يصبح "التهميش" قدرها المحتوم، لولا قدرةُ القادرِ وحرصُ الحريصين، لتشغُلَ منذ ما يُقاربُ السنةَ منصب نائب رئيس المجلس، ولتبدأ على الفور بممارسة مهامّ عملها على أكمل وجه، ولدرجةِ أنّ لا مناطقَ أو أحياءَ أو مواقعَ أثريّةً في طرابلس، سواءٌ في باب التبّانة أم في الأسواق الشعبيّة أم في شارع الثقافة أم في القلعة أم في مجرى نهر أبو علي، إلّا وسُجِّل لها فيها وقعُ كعبها العالي وحديثُ كبريائها، تمامًا مثلما كان الحال عليه عبر أثير الفضائيّات المحلّيّة والعربيّة، الأمر الذي سرعان ما أدّى في المحصّلة النهائيّة إلى ظهور النتائج المنطقيّة المرجوَّة لهذا الجهد الدؤوب، ليس بالضرورة من خلال ما رأيتُه بأمّ عينيَّ الليلة الماضية في "خان العسكر" وحسب، وإنّما (وهذا هو الأهمّ) من خلال قلب الصورة النمطيّة التي كانت مسيطرةً على أذهان اللبنانيّين وغير اللبنانيّين حول تهمة علاقة الطرابلسيّين بالأصوليّة والتكفير والإرهاب رأسًا على عقب، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ القاصي والداني يدرك إلى حدّ اليقين أنّ هذه العلاقة لم يكن ليُقدَّر لها الانتعاش، ولو إلى حينٍ، لولا وجود بعض المقاولين المحلّيّين ممّن ارتضوا لأنفسهم التحوُّل بين الحين والآخَر إلى مخالبِ قططٍ أو ملاقطِ نارٍ خدمةً لمشاريع الخارج الإقليميّ والدوليّ في الداخل اللبنانيّ، بدءًا من زمان تنافُس الراحليْن حافظ الأسد وياسر عرفات على الكعكة اللبنانيّة، مرورًا بزمان تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 في نيويورك وواشنطن على العالميْن العربيّ والإسلاميّ، ووصولًا إلى زمان اندلاع ثورات "ربيع العرب" وما يترافق معها لغاية الوقت الراهن من نذائر وكوارث.
ولكنْ، إلى أيّ مدى يا ترى يمكن الاستمرار في التفاؤل بأنّ مدينة طرابلس أصبحت عصيّةً بالفعل على الوقوع مجدَّدًا في شِراك مخالب القطط وملاقط النار الآنفي الذكر طالما أنّ شهيّة التجاذبات الإقليميّة والدوليّة لا تزال على حالها مفتوحةً على كلّ الاحتمالات؟
سؤالٌ، كان لا بدّ لي قبل الإجابة عنه من أن أعتذر لفرح عيسى بسبب عدم تمكُّني من متابعة البرنامج الرمضانيّ المقرَّر الليلة الماضية في "خان العسكر" على رغم كافّة مغرياته التقنيّة والفنّيّة والاجتماعيّة والتصوّفيّة، فإذا بي أخرج من الخان بعد تفهُّم اعتذاري وقبوله، لأنعطف صوب جهة اليمين حيث كان بائع الجلّاب لا يزال ينادي على مشروبه اللذيذ، ولأتوجَّه إلى الأمام صوب "سوق الدبّاغة"، ومن ثمّ "بِرْكة الملّاحة" و"سوق البازركان" و"زقاق التربيعة" و"زقاق الشهداء" و"خان الخيّاطين"، ولأكتشف أنّ تنظيم "داعش" ومشتقّاته وخلاياه ومناصريه هُم في الواقع آخِرُ هَمٍّ للسكّان وللتجّار في تلك الأسواق الشعبيّة القديمة التي لم يحدُث أن زرتَها منذ أكثر من سبعةٍ وثلاثين عامًا من الزمان، طالما أنّهم لا يزالون يتمسَّكون بفسحة الأمل للعيش في رحاب هذا الوطن، حتّى ولو كانت ضيِّقة، شريطة أن يحصَلوا على الحدّ الأدنى من الأمان والاستقرار، بمعنى أن يحصَلوا على نواة دولة ولقمة عيش.
وإذا كان من النادر جدًّا أن يمرَّ المرء في أوساط أولئك الناس الطيّبين من دون أن يأتي أحدهم على ذِكر اسم فرح عيسى بالخير، فإنّ مردَّ ذلك يتمثّل في أنّ هذه الصبيّة التي تشي سلوكيّاتها بأنّها أحبَّت طرابلس بصدقٍ، عرفت كيف تلامس قلوب أبنائها بخيرِ أفعالها، بينما كان الآخرون يسعون إلى معرفة كيفيّة أكلهم من الكتف، سواءٌ عن طريق التهميش أم عن طريق التطنيش، حتّى اللقمة الأخيرة.
ولعلّ أجمل ما في فرح في هذه المعادلة هو أنّها أصرَّت على التوجُّه مباشَرةً لدى تعاطيها مع هموم الناس وهواجسهم في الحالة الطرابلسيّة إلى الـ "داون تاون" الأصليّ للمدينة، ومن دون إهمال ضواحيها، بينما أصرّ الآخرون على التوجُّه إلى الـ "داون تاون" الجديد والمستحدَث على حساب هموم الناس وهواجسهم، في كلٍّ من المركز والضواحي على حدٍّ سواء..