تحت عنوان حكاية مدلّك السلطان والفرمان..، كتب عبد الفتاح خطاب في مجلة "الدبور": حدّثنا أبو طارق، قال: يُحكى عن مُدلّك عمل في البلاط لأكثر من أربعين عاماً أشرف خلالها على تدليك السُلطان، وابنه الذي تولى الملك من بعده، ومن ثمّ حفيده.
وفي أحد الأيام قال الشاب للسُلطان، ألا ترى يا مولاي أنني أستأهل الترقية وقد أمضيت في خدمة العائلة المالكة ما يُقارب النصف قرن؟
أجابه السُلطان الشاب: "بيصير خير".
مرّت الأيام، وإذ بالمُنادي يُعلن في الساحات والشوارع عن وفاة مُفتي السلطنة.
استدعى السُلطان المُدلّك وأعلمه بقرار تعيينه مُفتياً للملكة.
صُعق المُدلّك لدى تلقيه النبأ وانتابه الذعر الشديد، وحاول التملّص من هذه المُهمّة بشتى الأعذار فهو بالكاد يحفظ آية أو آيتين! لكن السُلطان كان حازماً في قراره وقال له: "الفرمان طلع"!
ألبس غُلمان السُلطان المُدلّك الجبّة والعمامة، وأعطوه سُبحة طويلة ضخمة الخرزات.
لم تمض فترة إلا والمُنادي يُعلن في الساحات والشوارع عن وفاة الصدر الأعظم.
أبلغ حاجب السُلطان مُفتي السلطنة بوجوب التحضير لجنازة وحفل تأبين مُهيب.
مرّة أخرى انتاب المُدلّك نوبة من الذعر وحاول التملّص من هذا الطلب، لكن السُلطان قال له: "الفرمان طلع"!
أثناء صلاة الجنازة قام المُدلّك مُفتي السلطنة بأمر لم يُسبق له مثيلاً حيث اقترب من الجُثمان وهمس كلمات معدودات في أذن الفقيد، ونادى بعدها بصوت عال: أقم الصلاة!
لم يمُر الأمر على ما يرام، إذ استدعاه السُلطان، وقال له بغضب: لقد أمرت بقطع رأسك، وعليك أن تُخبرني الآن ماذا همست.
حاول المُدلّك أن يتملص وأظهر شديد أسفه واعتذاره، لكن دون جدوى لأن "الفرمان طلع"!
استسلم لقدره وأجاب صاغراً: قلت له، إذا سألوك عن أحوال السلطنة فقل لهم أنتم أعلم بأحوال ومآل بلد.. المُدلّك فيه.. مُفتيه!!
(عبد الفتاح خطاب - مجلة الدبور)