كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب.
بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "المسافة بينك وبين الآخرين ظاهرة صحية".
أن ترسم خطاً أحمر بينك وبين الآخرين هي المسافة المطلوبة...
وهي ظاهرة صحية من شأنها أن تحقق أسلم العلاقات، وأقواها رسوخاً مع الأيام...
ولا يظنن أحد أن رسم هذه المسافة مهمة سهلة.. وتتم بشخطة قلم.. ومسطرة..
إنها صعبة بالممارسة لأنها تتصل بصميم العلاقات الإنسانية التي تختلط فيها الأهواء والنوازع، والغرائز والأمزجة..
وحتى تستقيم هذه العلاقات على نحو صحي راق.. لا بد أن تنتشر هذه المسافات، وتتناول المساحات المختلفة.. وخاصة القريبة منها..
كالمسافة بين الأب والأولاد..
والمسافة بين الإخوان..
والمسافة بين الحبيب والحبيبة..
والمسافة بين الزوج والزوجة..
بين الرئيس والمرؤوس..
بين المدرس والطالب..
بين رب العمل والعامل..
بين الصديق والصديق..
إن رسم هذه المسافة، بل هذه المسافات والتقيد بها، واعتبارها "خطوطاً حمراء" يجب أن لا يتجاوزها الإنسان.. أو يتخطاها، أو لا يبالي بها، أو يقفز عنها.. هي ضرورة صحية.. بل ينبغي أن لا تكون "تكتيكاً" فحسب.. بل "استراتيجية" لكل فرد.. حتى تستقيم حياته.. ويحقق لنفسه التوازن المطلوب في علاقاته مع الآخرين.. ومن المعلوم، أن الطبيعة البشرية مجبولة بالإسراف، والجنوح نحو التطرف، والعنف أمام الأهواء والغرائز.. فلا بد من تطويقها.. والوقوف في وجهها، والتصدي لها.. والوسيلة الوحيدة هي "الكونترول".. أي إقامة هذه المسافات، والتقيد بها..
فالمثل الذي يقول:
زر غبا تزدد حباً.. (حباً) هذه هي المسافة.
ورحم الله امرءاً عرف حده فوقف عنده.. حد (مسافته).
واقرأ معي الحكمة الخالدة للإمام علي كرّم الله وجهه:
أحببت حبيبك هوناً ما!
عسى أن يكون بغيضك يوماً ما!
وابغض بغيضك هوناً ما!
عسى أن يكون حبيبك يوماً ما!
(هوناً) ما!.. أي بمعنى اجعل مسافة لبغضك ومسافة لحبك..
وبعد! إن الذين حققوا لأنفسهم نوعاً من الحياة المتوازية اعتمدوا أسلوب "المسافات". وعرفوا كيف يرسمونها، ويحافظون عليها، ويلتزمون بها، ويذودون عنها..
احترم المسافة.. تحترم نفسك..