بات الملف الحكومي بحكم المؤجل على وقع سفر كل من رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري خارج البلاد. الاول يلبي دعوة رسمية من البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ، والثاني فيسافر لمتابعة انطلاق جلسات المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي، بصفته من أهل الضحايا، حيث تدخل محاكمة المتهمين في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ اليوم مراحلها النهائية مع بدء المرافعات الختامية وفي غياب المتهمين. الاّ أن المصادر أكدت لـ"الجمهورية" انّ "مشاورات تأليف الحكومة لن تتوقف بفِعل السفر، فالهاتف يعمل في أي مكان"، وشددت على انّ العلاقة مع رئيس الجمهورية "طبيعية، والتشاور مستمر بين الطرفين".
وقالت مصادر وزارية لـ"اللواء" ان الاجواء السائدة حاليا تؤشر الى ان كل الامور الحكوميه مؤجلة الى ما بعد عودة الرئيسين عون والحريري من سفرهما وبالتالي فإن كل الامور معلقة الى حين عودتهما. ولفتت إلى أن الاتفاق على التهدئة السياسية ما زال قائماً.
البحث تجدد بمسودة الحريري
وفيما لا جديد نوعياً على خط التأليف، كشفت مصادر وزارية قريبة من قصر بعبدا لـ"الجمهورية" انّ البحث قد تجدّد في المسودة الحكومية الاخيرة التي قدمها الرئيس المكلف الى رئيس الجمهورية، بعدما استلم موفد الحريري الوزير غطاس الخوري ملاحظات الرئيس عون على المسودة خلال زيارته قصر بعبدا يوم الجمعة الماضي.
وقالت المصادر: "وبالإضافة الى التفاهم على وقف السجال حول الصلاحيات الدستورية وتأكيد التزام الرئيسين بالدستور، أكد عون على ملاحظاته السابقة التي وضعها تحت عنواني العدالة والمساواة في توزيع الحقائب والحصص، وجدّد مطالبته بوزارة العدل لكي تكون من الحقائب الموضوعة بتصرّف فريقه الوزاري، بالإضافة الى ملاحظاته بشأن حصة "القوات" الرباعية على انها "فضفاضة" من بينها حقيبتان خدماتيتان أساسيتان، وخالية من وزارة دولة كما هي حال حصص الفرقاء الآخرين، وايضاً بالنسبة الى رفضه المطلق لأحادية التمثيل الدرزي".
وقال مصدر مواكب لعملية التأليف لـ"الأخبار" أن "كل الأمور المتصلة بتأليف الحكومة صارت واضحة ولا تحتاج الى تفسير أو تعليل"، فالصيغة المبدئية المودعة لدى رئيس الجمهورية لم تعد سراً على أحد، وأيضاً الملاحظات الرئاسية التفصيلية عليها، إلا أن تصاعد المواقف بعد تقديم الصيغة، بعنوان الصلاحيات أو غيرها، أشعر الجميع بأن الأمور اتخذت منحى يراد منه صرف الأنظار عن أولوية الأولويات وهي تأليف الحكومة، وهذا ما دفع الحريري الى إيفاد وزير الثقافة غطاس خوري الى بعبدا في نهاية الأسبوع الماضي.
يوضح المصدر المواكب أنه تم خلال اللقاء بين عون وخوري "استعراض جديد للصيغة المبدئية التي كان رئيس الجمهورية قد سجل ملاحظاته عليها أمام رئيس الحكومة المكلف، وتحديداً موضوع التوازن في الأعداد، "وطالما أن الحريري أعطى القوات اللبنانية بكتلتها المؤلفة من 15 نائباً أربع حقائب هي: الشؤون الاجتماعية والعدل والتربية والتعليم العالي والثقافة، فماذا سنقول للكتل الأخرى ذات الحجم الأكبر والتي حازت حقيبة خدماتية وحيدة مثل تكتل لبنان القوي؟ ولماذا يحوز تيار المردة حقيبة الأشغال العامة والنقل؟ وطالما اتفقنا على حكومة وحدة وطنية، لماذا حصر التمثيل الدرزي بجهة واحدة (وليد جنبلاط)، ولماذا عدم تمثيل النواب السنة خارج تيار المستقبل. وبعدما حسمت الصحة لكتلة الوفاء والمقاومة، لماذا التلميح بإمكانية سحبها من حصة حزب الله" على حد تعبير المصدر المواكب.
ويتابع المصدر "عدا عن سحب حقيبة العدلية من رئيس الجمهورية، أدخلوا الى حصتنا إضافة الى وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية وزير دولة لحقوق الإنسان، ونائب رئيس حكومة بدون حقيبة، أي برتبة وزير دولة، في حين يرفض (الرئيس المكلف) أن تكون حصة القوات ثلاث حقائب ووزير دولة".
ويقول المصدر إن عون أبلغ خوري أن كل ما فعله أنه شرح حقه وصلاحياته "ولا تصعيد من قبلي، إنما العكس صحيح، بدليل أنني لم أرفض الصيغة المبدئية ولم أقبلها، وقلت إن المطلوب إدخال تعديلات عليها لكي تصبح أكثر توازناً وملاءمة لما سبق واتفقنا عليه لجهة تأمين العدالة في التمثيل الحكومي بما يعكس نتائج الانتخابات النيابية ويحترم إرادة الناس التي عبّرت عنها في صناديق الاقتراع، وهذا هو التسهيل بعينه، فماذا كان الجواب؟ جاء الرد عبر حملة بدأها رؤساء الحكومات السابقون عبر بيانهم الشهير الذي استحضروا فيه موضوع الصلاحيات، وكأن المطلوب تنازل رئيس الجمهورية عن صلاحياته لكي يُسحَب موضوع الصلاحيات من التداول، علماً بأن الصلاحيات واضحة ومحددة في الدستور ولا داعي للتذكير بها مجدداً»، على حد تعبير المصدر نفسه.
ويؤكد المصدر أن رئيس الجمهورية طلب من خوري أن ينقل للرئيس المكلف رغبته في تعديل الصيغة المبدئية «لكي أسهل مهمته وليس لتعقيدها، وخصوصاً أننا اتفقنا على الأعداد، والمطلوب إعادة نظر بتوزيع الحقائب بما يحقق وحدة المعيار وعدالة التمثيل".
مبادئ الحريري في التأليف
وسط هذه الأجواء، اعلنت مصادر مطلعة لـ"اللواء" ان لا معلومات عن كيفية تعاطي الرئيس المكلف مع التحفظات الرئاسية على الصيغة خصوصا ان المواقف على ضفتي "القوات اللبنانية" و"الاشتراكي" لم تتزحزح في الوقت الذي يتردد فيه ان ما بعد الخامس عشر من ايلول فرصة جديدة والا عود على بدء أو خيار آخر.
مصادر نيابية متابعة لمفاوضات تشكيل الحكومة اعتبرت من جهتها، ان العقدة الاساسية التي تتحكم بالتشكيل اكثر من غيرها هي محاولة "التيار الحر" الحصول على 11 وزيرا وهذا امر يرفضه بشدة الرئيس الحريري، متوقعة مزيدا من التصعيد في موقف التيار بهذا الخصوص ما لم يتم التفاهم على كامل الحصص لكل الاطراف مع الرئيس المكلف.
وذكرت مصادر "المستقبل" عبر "الجمهورية" انّ الرئيس الحريري يرتكز أساساً في عمله على 3 مبادىء:
1- تأليف حكومة وفاق وطني نظراً الى الحاجة لجلوس الكتل الاساسية في المجلس النيابي على طاولة مجلس الوزراء للتمكّن من تنفيذ برنامج الاصلاحات في مؤتمر "سيدر"، كونه خشبة الخلاص الوحيدة للبنان.
2- قراره بعدم الدخول في سجالات مع احد لإدراكه بأنه في النهاية سيجمع الجميع على طاولة مجلس الوزراء ما يستوجب التعاون لمصلحة البلد، فلا طائلة إذاً من السجالات والاتهامات المتبادلة.
3- إدراكه جيداً لصلاحياته، وهو يتصرف ضمنها ويعمل علناً وبعيداً من الاعلام على رغم اتهامات البعض له.
بري: الامور مقفلة بالكامل
في هذه الاجواء، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري امام زواره انّ الامور مقفلة بالكامل، ولا شيء استجدّ على خط التأليف على الاطلاق، وما يمكن قوله على هذا الصعيد هو: "انّ السلبية هي الحاكمة لكل وضع التأليف، فمن الواضح انّ الكل مسافرون". ثم اضاف ممازحاً: "بَركي بيتّفقوا بَرّا"!
ورداً على سؤال قال بري: "هذا الاستنفار السياسي، والذي ترافق مع حالة كريهة هي إثارة الغرائز الطائفية، أمر يثير القلق، وهذا ما يدفعنا الى ان نحذّر ونؤكّد من جديد اننا يجب ان نتعلم من التجربة، فلطالما ناديتُ بأن نقرأ في كتاب واحد، هو كتاب المواطنية، التي مع الأسف هي مفقودة اليوم. الوصول الى هذه المواطنية والشعور بها، هو السبيل الأكيد لإطفاء الأزمة والخروج منها".
مصير القوات والاشتراكي واحد
وسط هذه الأجواء، بعد تجربة تحالفهما خلال الانتخابات النيابية، يبحث حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي خيار تشكيل جبهة ثنائية في ما خصّ تشكيل الحكومة. وتفيد المعلومات بحسب "الأخبار" بأنّ الحزبين يبحثان إمكانية ربط مصير الواحد منهما بمصير الثاني في الحكومة، بمعنى أنّه إذا لم تحصل "القوات" على الحصة التي "ترضيها"، تنسحب من الحكومة، على أن ينضم إليها "الاشتراكي"، والعكس صحيح. إلا أنّ بعض العقبات تقف أمام هذا الاتفاق.
أولاً، يخشى الفريقان أن يكون إخراجهما من الحكومة هو هدف رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ، لذلك سيُفكران جيداً قبل منح "العهد" هذه "الهدية".
ثانياً، يخشى الفريقان من ممارسة السياسة من الضفة المعارضة.
ثالثاً، ثمة أزمة ثقة متبادلة، إذ إن القوات اللبنانية تتعامل بحذر مع موقف التقدمي الاشتراكي، وهي تعتبر أنّ النائب السابق وليد جنبلاط قد يتركها وحيدةً في لحظة ما، إذا تمكن رئيس مجلس النواب نبيه برّي من إقناعه بالمشاركة في الحكومة. كذلك فإنّ حالة الشكّ تُصيب جنبلاط في تعامله مع القوات اللبنانية.
انطلاقاً من هذه الأسباب، لا يزال الحديث عن "جبهة قواتية - اشتراكية" في مراحله الأولى. وردّاً على سؤال، تقول مصادر معنية إنّ "السعودية والإمارات تدفعان باتجاه خيار خروج القوات والاشتراكي من الحكومة، في حال لم ينالا الحصة التي يريدان، ما يعني تعطيل البلد."