تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"الصمت الميقاتي": معانٍ وطنية وأبعاد إنسانية

Lebanon 24
11-11-2018 | 00:29
A-
A+
"الصمت الميقاتي": معانٍ وطنية وأبعاد إنسانية
"الصمت الميقاتي": معانٍ وطنية وأبعاد إنسانية photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
كثيرة من المعادلات والشعارات والمواقف اعتمدها رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، ولم يفهمها الجمهور، ولا المراقبون السياسيون، ولا المتتبعون لشؤون الحياة العامة.

فقد أدخل ميقاتي على الحياة السياسية اللبنانية جملة اعتبارات من خارج المألوف، ومن غير المنطق السائد.

من جهة اولى، المعروف أن لبنان بانخراطه بالحروب الداخلية والخارجية دون هوادة ولا توقف، لم تترك فيه معايير الصراع الحاد أية مساحة للتسوية، والتوفيق. ومن جهة ثانية، جردت  مفاهيم الحروب، والمجابهات الحادة، والصراع بمختلف أشكاله، القوى المنخرطة فيها من القيم واللياقات السياسية التي يفترض عدم تجاوزها لو كانت الحياة العامة عادية، وطبيعية، كما في مختلف دول العالم.
Advertisement

أما في لبنان، فقد لحق الانهيار الشامل جراء الحروب، بالقيم الأخلاقية، واللياقات الاجتماعية والانسانية، وبات أي عطاء يوظف لصالح مقدمه، بصفاقة، وتمنين، ولا يسع المستفيد من العطاء الرفض نظرا لما أورثته الحرب من حاجة لدى الناس، وفاقة لدى كثير من الشرائح الاجتماعية، وبات توظيف العطاءات المغلفة بشعارات انسانية وخيرية واجتماعية، منهجا سياسيا معلنا، بعد أن خضع في السابق لمفاهيم اللياقة، والأصول، واحترام الكرامات، والوقوف على خاطر الضعفاء والمساكين وهي قيم أوصت بها كل الايديولوجيات الانسانية، وخصوصا منها القيم الدينية.

من هنا، يظهر الفارق بين الغالبية الكاسحة من القوى السياسية في تعاطيها بالشأن العام، وتوظيفها لصالحها السياسي، تحقيقا لغايته التي تبررها الوسيلة مهما كانت، وبين من يعطي بصمت، ويعمل بصمت، ولا يَهِن أما التحديات، ولا الاغراءات،غير طامح بتوظيف مباشر لعطاءاته في شؤونه العامة.

من القلة النادرة التي تتوقف عندها الاوساط العامة، وخصوصا الاعلامية، الصمت المطبق الذي يحيط بالرئيس نجيب ميقاتي، وفريق عمله، رغم النشاطات واللقاءات التي يجريها التي تشمل شؤونا سياسية واجتماعية مختلفة. وربما جاءت النتائج التي حققها ميقاتي في الانتخابات الأخيرة مفاجئة للجميع، لكن أحدا لم يدرك أن العمل الميقاتي العام على مدى سنوات طوال، كان أكبر بكثير مما اراد ميقاتي الظهور به أمام الإعلام، وأمام الرأي العام، ومن هنا تفسير نجاحه الباهر والمميز في الانتخابات، وتصدره للنتائجفي طرابلس بقارق كبير مع منافسيه مخصومه.

مختلف الاوساط اعتبرت "الصمت الميقاتي" بأنه صاخب في هدوئه، بليغ في ما يعبر عنه، ومنبع بلاغته انه يختزن الكثير من المبادئ التي يتبناها الرجل، ويحتفظ بها لذاته، دافعه الوحيد ممارسة قناعته، ومصالحته مع ذاته التي أرادها كبيرة، لا تضعف أمام حاجات الدنيا.

وباتزانه باتخاذ المواقف على الصعيد الطرابلسي الشمالي وعلى الصعيدين اللبناني والعربي، أدخل ميقاتي معايير جديدة على العمل السياسي ومفاهيمه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، موقف "النأي بالنفس" الذي أطلقه، ووضعه أساسا لمسارالدولة اللبنانية حفاظا على مصالحها، وعدم تجدد انخراطها في محاور الصراع والصراع المضاد،  وكان الموقف منطلقا لسياسة الدولة في السياسة الخارجية اثر الربيع العربي، والاحداث التي اندلعت في سوريا.

والملفت ان الشعار اصبح، في وقت من الأوقات، حديث الساسة العرب، فقد نقلت شخصيات سياسية التقت الملك سلمان بن عبد العزيز، وزعماء عرب اخرين، على الاشادة بهذا الموقف، واعجابهم بابداعات اللبنانيين في اطلاق الشعارات السياسية، وخصوصا هذا الشعار، وهم يدركون تماما ان الرئيس نجيب ميقاتي هو وراء ذلك.

في مسألة قانون الانتخاب الجديد الذي جرت الانتخابات الأخيرة على أساسه، تجدر الاشارة الى ان حكومة الرئيس ميقاتي تقدمت عام 2011 بمشروع قانون انتخاب على اساس النسبية، مع حفظ التوزيع الطائفي للمقاعد النيابية. قسم مشروع القانون لبنان الى ثلاث عشرة دائرة. عندما وصل المشروع الى مجلس النواب، رفض زعيم تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري البحث فيه، وفرض عليه "الفيتو"، يما يمكن وصفه بالكيدية السياسية أكثر منه موقفا منطقيا، وطنيا، مبررا برفضه بمعادلة الصحيح والخاطيء. وإن كان من سبب لهكذا كيدية، لم يشأ ميقاتي التحدث بها، ولا اعتمادها في أي من خطاباته ومواقفه السياسية، إنما لاعتبارات لدى تيار المستقبل اعتباره إنه يمثل مكونا رئيسيا هو المكون الاسلامي السني، وبذلك يقطع الطرق امام اقرار قانون من قبل الرئيس ميقاتي وحكومته.

والمفارقة أن الحريري، في عام 2017 ، وفي لحظات سياسية مغايرة، ما لبث ان رفع الفيتو، واقر القانون نفسه تقريبا انما بخمس عشرة دائرة بدلا من ثلاث عشرة من دون ان تتغير المعطيات التي دفعته سابقا الى فرض الفيتو.

أما شعاره الوسطية الوطنية، فهو شعار مدروس ببعديه الوطني، والنفسي لدى الجمهور، أطلقه ميقاتي بعد أن لمس إنه، على الصعيد الوطني، آن الأوان لوقف التجاذبات، وتهدئة الصراعات يوم لم يعد الوطن يحتمل المزيد منها، ويوم لم يعد المواطن يحتمل المزيد من التوترات، والتجاذبات التي تمت على حسابه، فجذبت "الوسطية" الجمهور، وبسببها حقق ميقاتي تأييدا شعبيا واسعا في دائرة الشمال الاولى طرابلس والمنية والضنية .

كما لا يمكن اغفال تأثير المراكز الاجتماعية التي انشأها الرئيس ميقاتي في الشمال، والمساعدات الطبية، والمدرسية، والجامعية، اضافة الى مساعدات اجتماعية من مختلف الانواع، استفاد منها جمهور واسع في ظل ضائقة اقتصادية تعاني منها البلاد. ولا يدرك مدى انتشار هذه المراكز، واتساع الخدمات، إلا من ينزل إلى الشوارع والأحياء والعبور بها، والاحتكاك مع الجمهور لإدراك مداها الفعلي عن لسان الناس، وبالتعابير التي يطلقونها تحية له كأب رؤوف، ولا يُعرَف مداها على المستوى الإعلامي، فقد آثر ميقاتي على الدوام القيام بها، وتقديمها، بصمت تام، من منطلق عمل الخير للخير، وليس للتوظيف أو التمنين السياسيين.

كذلك، لم يستخدم ميقاتي الدولة، ولا مؤسساتها لتوزيع غنائم، او تلبية طلبات لخدمات، وكل ما كان يقوم به جاء من امواله الخاصة فقط.

(سمير الحسن ـ كاتب وباحث استراتيجي)
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك