الوضع الأمني في لبنان جيد جدا وهو الأفضل بين بلدان المنطقة، الى درجة أنه أصبح عامل جذب سياحي.. الوضع السياسي، بعد مرور عاصفتي الانتخابات والحكومة، مستقر وهادئ الى درجة أنه يعاني من الركود و"الخواء".. الوضع الاقتصادي المالي هو الثغرة، لا بل الفجوة الكبرى في لبنان ومصدر التهديد الأول في هذه المرحلة. هذه قناعة باتت راسخة لدى كل المسؤولين والقوى السياسية، وبأن لا صوت يعلو فوق "المعركة الاقتصادية" بعناوينها المتعددة، من إقرار الإصلاحات ومكافحة الفساد، الى ضبط المالية العامة ووقف كل أشكال السرقة والإنفاق غير المجدي وهدر المال العام.
ولكن الحكومة تهدر الوقت.. مر شهران على تشكيلها ولم تفعل شيئا يذكر حتى الآن. وفترة السماح المعطاة لها تستنزفها بسرعة من دون أن تبادر الى رفع وتيرة عملها والى اتخاذ قرارات في مستوى الأزمة، حتى باتت مصداقيتها على المحك والثقة الخارجية كما الداخلية بها الى تراجع والحماسة الدولية لمساعدة لبنان الى "انكفاء وتقلص".
لم تعد الحكومة تملك ترف الخلافات والتجاذبات السياسية. فقد ضاق هامش الوقت والمناورة كثيرا واقتربت من لحظة اتخاذ القرارات الصعبة والحاسمة.. في الداخل قلق متنام بدأ يلامس حد "الذعر المكتوم" على وقع دعوات الى الاستعاد لإجراءات موجعة ومؤلمة، والى "المقاومة الاقتصادية"، وكلام عن أزمة صعبة وانهيارات مالية وإشاعات عن عجز الدولة عن تسديد ديونها ودفع الرواتب والأجور، وعن ضغوط متفاقمة على الليرة والاستقرار النقدي.. ومن الخارج تأتي النصائح والتحذيرات مشوبة بعدم رضى على انطلاقة الحكومة.
في لبنان ليس هناك إفلاس وانهيار مالي.. وإنما هناك سوء إدارة. هذا هو انطباع الكثيرين من خبراء المال والاقتصاد الذين يرون أن الحكومة الموضوعة تحت المجهر الدولي أمام امتحان إثبات القدرة والنجاح في اتخاذ هذه "الخطوات" التي تشكل أولوية مطلقة وملحة:
معالجة أزمة الكهرباء وإصلاح هذا القطاع. هذا هو التحدي الأول، والبنك الدولي أبلغ المسؤولين اللبنانيين أنه يمانع تمويل أي مشاريع جديدة ـ حتى لو كانت مدرجة ضمن المشاريع التي التزمت بها الدول المانحة في مؤتمر «سيدر» ـ إذا لم يتم الاتفاق على خطة تعالج مشكلة الكهرباء وتخفف كلفتها على الخزينة والتي بلغت في عام 2018 نحو 1.8 مليار دولار، أي ما يزيد على 15% من إيرادات الخزينة.
إقرار موازنة العام 2019 التي ستكون المقياس الحقيقي لالتزام الحكومة بخفض العجز البالغ 11% في موازنة العام 2018، والاتجاه هو الى إجراء خفض ملموس على الموازنة والوصول الى سقف عجز لا يتجاوز 9% من الناتج المحلي. وهنا يدور نقاش حول الإجراءات المتخذة، وما إذا كانت الأولوية تعطى لزيادة الواردات وفرض ضرائب جديدة، أم لخفض النفقات والأعباء.
اتخاذ إجراءات تعتبر "مؤلمة وموجعة وغير شعبية"، وتنطلق من معادلة خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات وتتعلق بالرواتب والأجور والكهرباء والبنزين.