دخل أحد المقربين على نجيب ميقاتي العام 2005 إلى مكتبه في رئاسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي وكان التأثر يبدو عليه جلياً، إذ أنه استشعر بعمق مسؤولية وراثة رفيق الحريري الشهيد ورئيس الحكومة الذائع الصيت من المشرق إلى المغرب، يومها قال أبو ماهر لضيفه أن مسؤولية حماية مكتسبات رفيق الحريري مسؤولية كبرى لا بد من إعطائها حقها كاملا بلا تراجع أو تردد وطنيا واسلاميا ودستوريا وعلى مستوى الأداء العام.
ودخل لبنان بعد ذلك في عصر الجبهتين السياسيتين 14 و8 واشتعلت بعد ذلك الجبهات والتباينات بين القوى تلك فعطلت واختلفت وفتحت ثغرة للنار أحرقت الأمن والاقتصاد والاستقرار، وتباينت سياسة نجيب ميقاتي مع الخصمين اللدودين ومع مسالك السياسين اللبنانيين التي انتهجها، تأثراً، بعض السنة هنا أو بعضهم هناك.
اليوم ومع بداية يوم الرئيس فؤاد السنيورة نهاره من القصرين كتبت صفحة جديدة من كتاب الوسطية السياسية والسنية التي خطت بحبر المثابرة دائما وباللين حينا والقوة حينا والقدرة أحيانا.
ومع ساعات النهار الأولى وفيما كان السنيورة يترجل ضاحكا فرحا متفائلا في ضيافة ابي ماهر كانت الأقلام تسارع للتأكيد أن هذه الزيارة أهم بكثير من الانتخابات الفرعية التي تجري في طرابلس الأحد أو حتى من أخرى عامة. فهي توثق بكل الوسائل المتاحة تفوق الوسطية السياسية في تكريس مفهوم الأبواب المشرعة بين القوى كافة ولو اختلفت مفاهيم وآراء القوى المعنية. فالتلاقي أمر لا بد منه في كل المواسم حيث يمكن للقاء أن يتيح لكل جهة أن تحدد وجهة نظرها بوضوح أكثر وهدوء أكبر.
وقبل هذه الزيارة التي ترتدي أهمية متناسقة مع التفاهم المتين بين الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، أمكن للرجلين الميقاتي والسنيورة أن يتجاوزا في وقت سابق التباينات بين "المستقبل" و"العزم" اذ وطدا علاقة شخصية سمحت بممارسة الاختلاف في السياسة ولو بين سياستي قلمي الحبر والرصاص، ثم أنتج ذلك تناغما ضروريا ومسارا من الأداء الهاديء انعكس في مؤسسات سنية مختلفة منها دار الفتوى، حيث نجحا معا في فك الغام التباين داخل المؤسسة ألام كما وفقا في رعاية توافق متكرر أنتج ثمارا يانعة في الدار ومؤسساتها الوقفية.
ثم في مجال آخر ساهم الاتفاق بينهما على المبدأ الدستوري في حماية مؤسسة رئاسة مجلس الوزراء من خلال لقاءات رؤساء الحكومات السابقين مع رئيس الحكومة، الأمر الذي كرسه نجيب ميقاتي في خلال رئاسته الثانية للحكومة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ولم يكن ذلك ليحصل في وجه اي جهة إنما انسجاما مع الذات ومع حماية جزء مهم وأساسي من الدستور اللبناني.
ثم مع ذلك كله اتفقت الزيارة مع تقدم وتنامي التنوع السني على المستوى السياسي العام تحت سقف ضبط الاختلاف بما يحفظ حق التباين وحق الخصوصية السياسية لكل فريق، الأمر الذي بدأته الوسطية السنية بتواصل وطني أتاح لها لعب الدور الدقيق في الأوقات العصيبة ثم في إدارة ملف العلاقات السنية السنية بإيجابية انمائية تارة وسياسية تارة أخرى.
دخل فؤاد السنيورة الراعي العملي للقاء سعد الحريري وأشرف ريفي، مع حفظ الألقاب، بيت أبو ماهر ليثبت بالفعل أن صلة الوصل أقوى من الاصرام وان التلاقي مع حفظ الخصوصية غنى وقوة ومنعة لكل فريق بذاته.
والآن سينتظر جمهور رشيد درباس وناقوسه الأحد المقبل بعضا من خفايا لقاءات السنيورة في طرابلس بعبارات لا تشيخ وأخرى لا تمل بكسر الميم، لأنه وهو الداعي والمرافق للرئيس السنيورة في جولة الصلح بين سعد واشرف وفي زياراته الطرابلسية لا بد سينقل للناس جانبا مهما آخر من جولة الرئيس السنيورة المستهدف مرارا منذ ما قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومرورا بكل المحطات التي كلفه فيها التباين السياسي فاتورة ثقيلة بكل معنى الكلمة.
(محمد الحسن)