قال سعد الحريري ما لديه، ومشى. صحيح أنّه وعد ناسه ومناصريه بالعودة في أسرع وقت ممكن لأنه قرر الإقامة النهائية في بيروت بعدما تبيّن أن كلفة الغياب المعنوية أغلى بكثير من أكلاف البقاء المادية، إلا أنّه قد يكون بانتظار الأجوبة على الرسائل المشفرة التي أرسلها خلال مقابلته التلفزيونية، وفي أكثر من اتجاه.
عملياً، فاجأ الرجل راصدي حراكه ومواقفه، حيث أصر على الإلتزام بنهج الانفتاح الذي اتخذ منه مدرسة لأدائه مذ وطأت قدماه مطار رفيق الحريري الدولي في 14 شباط الماضي، وذلك على عكس مسيرته الطويلة التي حفلت بالمحطات التصعيدية والاشتباكية مع الكثير من القوى اللبنانية، وفي طليعتها "حزب الله".
هكذا، لم يفهم البعض "انحيازه" الكامل لمنطق الايجابية في تعامله مع "حزب الله" في هذه اللحظات الاستثنائية في مسار المنطقة، لدرجة اعلانه عن عدم ممانعته لقاء الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، في وقت تخوض المملكة السعودية حرباً شرسة بوجه طهران ومن يمثلها في المنطقة، ويصبح فيه أي التقاء ولو موضعي بين الحريري ونصر الله، سباحة بعكس التيار.
الأكيد أن انطباعاً ايجابياً تركه رئيس الحكومة السابق في أذهان الخائفين على الاستقرار الداخلي على اعتبار أن هذه الليونة في التعاطي من شأنها أن تخفف من حالة التوتر القائمة والتي عادت للتتسلل الى الداخل اللبناني من الخارج بفعل الأحداث المتسارعة والآخذة نحو التصعيد.
الا أن تغليب منطق التهدئة مع الخصوم، قد يقفل الباب أمام التكهنات التي تقول إن لبنان سينضم الى قالفة الساحات المشتعلة على خلفية الصراع القليمي ليكون واحداً من مربعات القتال بالواسطة بين الرياض وطهران.
ولكن الى أين سيصل الحريري في هذا المسار؟
يقول عارفوه إن الرجل قدم أقصى ما عنده، ولا يمكن بعد اليوم أن يضيف بنداً جديداً على جدول التنازلات التي راح يضعها الواحدة تلو الأخرى على طاولة الخصوم، بدءاً بتبني ترشيح رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية وصولاً الى ابداء الموافقة على لقاء نصر الله، مروراً بالنَفَس الانفتاحي والتمسك بطاولة الحوار رغم كل التصعيد الحاصل من حولنا.
ويعبرون إن الحريري وضع الكرة في ملعب الآخرين الذين يفترض عليهم تلقفها لرد التحية بالمثل، من خلال اعادة تكوين السلطات الدستورية والشروع في انتخاب رئيس للجمهورية على قاعدة التوافق والتفاهم، والاعتراف أن موازين القوى تغيرت وصارت الكلمة الفصل في الرئاسة الاولى لقوى الثامن من آذار.
هكذا، فإن الرجل أبدى استعداده للذهاب بعيداً في التخلي عن الكثير من الأوراق الموضوعة في جيبه، شرط عدم المساس باتفاق "الطائف" وتطويق الانتكاسة الحاصلة في العلاقات الاقليمية ومنع تسربها الى الداخل اللبناني كي يتكون فتيل تفجير محلي تؤدي مع الوقت الى نسف "وثيقة الوفاق الوطني" التي يخشى عليها الحريريون ويرفضون المسّ بها.
فهل سيأتي الجواب عاجلاً من الضاحية الجنوبية أم أن آوانه لم يأت بعد؟