تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

عن جريمة النورماندي وأخواتها: العنف بين الفهم والمواجهة

احمد الزعبي

|
Lebanon 24
27-07-2016 | 06:59
A-
A+
عن جريمة النورماندي وأخواتها: العنف بين الفهم والمواجهة
عن جريمة النورماندي وأخواتها: العنف بين الفهم والمواجهة photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
الجريمة المروعة التي هَزًت فرنسا أمس بمهاجمة كنيسة وذبح القَسّ جاك هامل واحتجاز مصلين من قبل ارهابيَين داعشيَين؛ ليست تفصيلاً في سياق الحرب التي يشنها تنظيم "داعش" خارج حدود دولته المزعومة. حادثة بلدة سان اتيان في شمال فرنسا تأتي بعد تفجير انتحاري في بافاريا (المانيا) وهجوم في مستشفى غربي برلين، واعتداء "شاحنة نيس" الذي راح ضحيته العشرات. كل ذلك خلال أسبوعين فقط، والتنظيم الارهابي يسارع إلى التبني والإشادة، فيما العالم الذي بات غارقاً في رُهاب "الاسلاموفوبيا"، مشغول بالادانة والاستنكار. في استعراض سريع للهجمات الارهابية في الغرب يتبدى واضحاً أن لفرنسا الحصة الأكبر منها؛ من هجوم "شارلي ايبدو" إلى عمليات الأخوين كوليبالي وهجوم مسرح باتاكلان؛ وهي -عددياً- أقل من تلك التي استهدفت المانيا أو بلجيكا أو حتى هجوم أورلاندو في أميركا الشهر الماضي؛ لكنها جميعاً تعيد طرح الاشكالية الأساس: صورة الاسلام والمسلمين في الغرب، ومشكلة الاندماج الاجتماعي في المجتمعات الغربية، ومسألة جدية الغرب في مكافحة الارهاب. العنف سلوك لا ثقافة وإذا كان الاسلام، ديناً وتراثاً وتجربة تاريخية عريقة، لا يحتاج إلى تكرار أنه يرفض ويدين ازدراء الأديان الأخرى وقتل أي نفس بريئة على الإطلاق، بصرف النظر عن المواقف المربكة للعالم الاسلامي تجاه ما يجري، وصورة الاسلام والمسلمين التي تضررت كثيراً منه؛ فإن في الممارسات الدولية تجاه قضايا العرب والمسلمين ما يعزز خطاب الانفصال عن العالم أو يبرر للموتورين والمختَرَقين ممارساتهم الشنيعة؟ وكل ذلك يقتضي قراءة لأسباب هذا العنف لفهمه وليس لتبريره، إذ لا شيء يبرر الارهاب من أي جهة أتى. والواقع أنه بعد كل هجومٍ انتحاري أو غير انتحاري تخرج أصواتٌ نخبويةٌ غربية غاضبةٌ على المسلمين ودينهم العنيف، مقابل أصوات أُخرى مُدافعة عن الإسلام والمسلمين، بحجج معقولة مثل أنه "لا تزر وازرةٌ وزر أُخرى"، فلا يجوز اتهام أكثر من مليار مسلم (هم خمُس العالم، وبينهم عشرات الملايين في أوروبا وعدة ملايين في أميركا) بارتكاب جرائم جماعية وتبني العنف، لأنّ واحداً يقول إنه مسلمٌ قام بذلك، لأنه لو كان كذلك لما أمكن له الصمود، ولما أمكن أن يعيش معتنقوه مع غيرهم طوال هذه العصور بسلام ومودة. هذا في الجانب الاسلامي، فماذا عن الجانب الآخر؟ غالبية المحلِّلين الأوروبيين والأميركيين يفترضون أسباباً مختلفةً لما يجري. ففي حين يربط بعضهم العنف الإسلامي بين الشبان في أوروبا بالتهميش والفقر ونقص الحقوق وصعوبة الاندماج؛ يركّز آخرون في أميركا على أن العنف إنما يمثل ردة فعل انتقامية من السياسات العسكرية والخارجية الأميركية ضد بلدان وشعوب العالمين العربي والإسلامي. ولا ينكر المحللون إمكان اختلاط دوافع هؤلاء وأولئك، مثلما حصل في بعض الهجمات. من الشبهة إلى التنميط كل هجومٍ خلال العقدين الأخيرين، صغيراً كان أم كبيراً في أوروبا وأميركا، كان مادة لاختلاف الآراء بين النُخب في التحليل لكنه أفضى في النهاية إلى تكوين ما يشبه الإجماع في الإدانة والكراهية والذعر وردة الفعل السلبية في أوساط العامة. وهذه جميعها أمور شائكة ومعقدة لا يمكن معالجتها حتى لو صارت وسائل الإعلام أكثر هدوءًا وموضوعية. بالأرقام، إن الذين يذهبون ضحايا للعنف "غير الاسلامي" في الغرب يشكلون أكثر من 90% من مجموع الجرائم المرتكبة في الغرب، لكن القلّة القليلة الباقية قد جرى وضع عنوانٍ لها ودوافع وأشخاص مجنَّدين غالباً بعوامل نفسية داخلية للارتكابها. هكذا يسهُلُ توجيه الاتهام، ويسهل تكوين الانطباع، ويسهل أخيراً الوصول إلى "نمط" معين في الإدراك والفهم والحكم. وهو الأمر الذي لا يتوافر في حالات العنف والقتل الأُخرى. وهكذا فإننا شئنا أم أبينا صار هناك تسليم بوجود ظاهرة في ديار المسلمين وخارجها تُسمَّى ظاهرة العنف الإسلامي أو العنف باسم الإسلام. وفي حالةٍ كهذه لا يفيد في شيئٍ رفع الصوت من الظلم الواقع على الإسلام أو على المسلمين بسبب صنيعة بعض الموتورين في ديار الاغتراب. بل لا بد من العمل بكل سبيلٍ على إنهاء هذا العنف أو التذرع بالدين للقيام به. وهنا يكمن التحدي الأساس، إذ إن عنف هؤلاء الذين اكتشفوا فجأة أنهم مسلمون إنما مارسوه نُصرةً لقضايا عربية أو اسلامية أو استنكاراً للظلم الواقع على العرب والمسلمين من جانب أميركا أو إسرائيل! فالمشكلة إذن عندنا في الأصل، وهي مشكلة مزدوجة: أنّ الأحوالَ في ديارنا ليست على ما يرام، بل أكثر من ذلك بكثير. وكما كان المتظلمون والمتمردون في الستينات والسبعينات يثورون ويقتلون باسم الماركسية أو اليسار أو القومية أو تحرير فلسطين؛ فإنّ الموضة في العقدين الأخيرين على الإسلام، والعنوان العنيف يحمله هذا الدين. وهذا أمرٌ شديدُ الخطورة والخطر لأنّ الإسلام دين وليس أيديولوجيا قومية أو يسارية. ولذا فإنّ الاندفاع باسمه للعنف ينال من أهل الدين كلهم، بينما لا يحصل ذلك في حالات الأيديولوجيا مهما بلغ انتشارها وبلغت سطوتها. العالم كله، وليس المسلمون وحدهم، أمام تحدي اثبات الجدية في مكافحة الارهاب، ليس بالآليات والوسائل الأمنية العسكرية فحسب، بل بإجراءات أكثر عمقاً لتحسين الظروف السائدة في العالمين العربي والاسلامي والتي تدفع بكثيرين إلى حضن الارهاب، فيما يبقى على النُخَب الدينية والثقافية العربية والإسلامية الحفاظ على عناصر التماسك والقوة وتعزيز مفهوم السكينة في الدين وكراهية العنف بالمطلق وإعادة بناء المناعة في الدين والمجتمعات.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك