تسيطر القوات الكردية في سوريا على نحو 600 كلم من الشريط الحدودي من ضفة نهر دجلة الغربية وصولاً إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات، وسيطرتها على منبج وضعها على بوابة الوصول إلى غرب الفرات، أمام هذا الواقع تعاظمت هواجس تركيا من قيام كيان كردي على حدودها، وأطلقت عملية عسكرية برية وجوية لقطع الطريق على الأكراد في جرابلس التي تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات.
هذه الهواجس تبدو مشتركة إذ تلتقي حولها تركيا وايران التي تضم 10 ملايين كردي، وكذلك وروسيا فهي دولة اتحادية وتضم بدورها أعراقاً وقوميات متعددة، استناداً إلى مقاربة الخبير الإستراتيجي يوسف مرتضى "من هنا تقاطع مصالح هذه الدول الثلاث أوجد هدفاً مشتركأً لمواجهة الكيان الكردي. ولا يمكن التنبؤ بمن ينجح بفرط معادلته، كما أن هذا الصراع سيستمر طويلاً".
مرتضى وفي حديث لـ "لبنان 24" أوضح أنّ مشروع الأكراد بإقامة دولتهم يُثار منذ قيام اتفاقية سايكس- بيكو، وقد استمر طويلاً نضال أكراد العراق لتحقيق الحكم الذاتي، وكذلك الحركة الكردية في سوريا المطالبة بالحكم الذاتي او بحقوق كردية هي قديمة. وحسب قراءة مرتضى لتطورات الوضع الراهن، قد يكون طرأ شيءٌ جديد على الإستراتيجية الأميركية للمنطقة، قوامها تفكيك دول المنطقة على أساس طائفي مذهبي عرقي، وهذا التفكيك لن تنجو منه تركيا ولا ايران، فالعراق مثلا أصبح يضم ثلاثة كيانات وإن يكن بإطار دولة واحدة، وما يرسم في سوريا مشابه، لاسيّما وأنّ الولايات المتحدة الأميركية ترى عدم وجود حاجة لدولة أقليمية في المنطقة، قد تمتلك طموح لعب دور امبراطوري كما حصل مع أردوغان وأحلامه في استعادة دور السلطنة العثمانية أو من خلال سعي ايران لإستعادة دور الإمبراطورية الفارسية، الأمر الذي تراه واشنطن يمثل تهديداً لمصالح الغرب خصوصاً في الأماكن التي تمتلك احتياطات النفط الأساسية في العالم".
ويشير مرتضى إلى مقاربة مختلفة للأزمة السورية بين كل من واشنطن وأنقرة. يقول: "أعتقد أنّ ما يجري من احتضان واشنطن للأكراد، إن كان في كردستان العراق الذي يمثل قاعدة أميركية بتعاون اسرائيلي - كردي، أو في سوريا لجهة دعمهم لتحرير منبج، مؤشرٌ على أنّ الأميركي يستخدم الموضوع الكردي، وفي النهاية إمّا يصبح هؤلاء كبش محرقة تسوية ما، أو فعلاً واشنطن ماضية باتجاه إقامة دولة كردية وهذا يعني تفكيك شامل للمنطقة. وهناك كلام ومعلومات على وقوف أميركا وراء انقلاب تركيا وإزاحة اردوغان لتسهيل مهمة التفكيك بعد أن تعاظمت طموحاته باستعادة دور السلطنة".
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة فهل تخلت أميركا عن دعمها للأكراد، في ظل حديثها عن تنسيق مع تركيا لضرب تنظيم داعش في جرابلس؟
يقول مرتضى: "أميركا تعتبر أنّ التسويات في المنطقة لم تنضج، وهي تعمل وفق نفس طويل، وبرأيها أنّ استمرارالمعارك في سوريا من شأنه أن يؤمن استنزافاً حقيقياً لقدرات كل من روسيا وايران وكل التيارات الإسلامية، لذا نرى أنّه عندما يختل توازن القوى يتدخل الأميركي، كإعطاء ضوء أخضر لبوتين لقصف حلب بكثافة، وعدم الإعتراض الجدي على استخدام صواريخ استراتيجية روسية من البوارج على حلب".
وبالنسبة للروس الأمر مختلف فالحرب تنهك اقتصادهم "يحتاج الروسي لتسوية سريعة، فالحرب تستنزف 25 % من ميزانية الروسي كمجهود حربي، كذلك حال الايراني الذي لم يتمكن على مدى خمسة أعوام من الحسم، واستنجد بالروسي وأباح أرضه لتشكل قاعدةً عسكريةً للروس بما فيها من مس بالسيادة، والتركي يعيش أزمة داخلية كبيرة جرّاء الإنقلاب، وبالتالي يمكن توصيف هذا التعاون الروسي التركي الإيراني بين ضعفاء تجمعهم مصيبة عدم تقدمهم وتهدد مشاريعهم ببقاءهم كدول متماسكة".
مرتضى يرى أنّ فكرة الكيان الكردي جدّية "على الأقل ما نشهده على الأرض يؤشر بجدية الطرح، ولا يمكن التكهن بمسار التسويات أو قدرة أو مقومات صمود المتعاونين الروس الأتراك والإيرانيين، وعمّا إذا كان الأميركي بصدد رسم خريطة سايكس بيكو جديد. ولكن ما هو قائم ، تفكيك للمنطقة حتى ولو لم يكن جغرافياً، ورسم صورة لأنظمة جديدة ذات طابع فدرالي على الطريقة اللبنانية أو ما يعرف بفدرالية الطوائف".
بالتزامن مع مئوية سايكس - بيكو التي أضعفت العرب في القرن العشرين، ربما لا يحتاج الأميركي لخريطة جهنمية مماثلة للهدف نفسه، طالما أنّ العرب غارقون بالتطرف والديكتاتورية والعصبيات والإرتهان والتفتيت من الداخل بما يفوق امكانية أي مخطط لتقسيمهم، "وكما قال النائب وليد جنبلاط "لا تلوموا الأكراد بل العرب الذين لا يقرأون.. يا أمّة ضحكت من جهلها الأمم".