حينما تمرّ سفينةُ تجسّسٍ روسيّةٌ قبالة السواحل السوريّة واللبنانيّة في هذه الأوقات الحرجة جدًّا من عمر منطقة الشرق الأوسط، فإنّ الأمر لا بدّ من أن يثير موجةً عارمةً من الريبة والشكوك والتساؤلات، تمامًا مثلما حدث نهار أمس الأربعاء، في أعقاب قيام موقع "هايسوتون" المتخصّص بمتابعة حركة السفن البحريّة بالكشف عن وجود سفينة "يانتار" الشهيرة على مقربةٍ من سواحل مدينة طرابلس في شمال لبنان، وخصوصًا إثر دخول هذا الخبر حيّز التداول في أوساط اللبنانيّين، بعدما أعدّت الزميلة القديرة ريما عسّاف لنشرة الـ (LBCI) المسائيّة، وعلى عادتها، تقريرًا مفصّلًا حوله يتّسم بكلّ مواصفات الحِرَفيّة المهنيّة من حيث الدقّة والشفافيّة والموضوعيّة.
لا شكّ في أنّ اسم السفينة "يانتار"، وحسب ما ذكرته الزميلة عسّاف في تقريرها الليلة الماضية، كان قد خرج إلى دائرة الضوء عام 2015، بعدما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" خبرًا عن مرابضتها حينذاك قبالة جزيرة كوبا، وبالقرب من كابلاتٍ في قاع البحر تنقل معظم خطوط الاتّصالات العالميّة لشبكة الانترنت، الأمر الذي أثار مخاوفَ مسؤولين أميركيّين من احتمال أن تكون روسيا قد خطّطت لقطع هذه الخطوط إذا ما بلغ تأزّم العلاقات الروسيّة – الأميركيّة حدّ دخول الجانبين في صراعٍ مباشرٍ ضدّ بعضهما البعض، على غرار ما يشي به مسار الأوضاع القائمة بينهما في الوقت الراهن، إثر تعذّر إمكانيّة توصّلهما إلى تفاهماتٍ مشترَكةٍ بشأن الأزمة السوريّة، ولا سيّما أنّ الرئيس فلاديمير بوتين كان قد أكّد البارحة أنّه من الصعب إجراء حوارٍ مع الإدارة الأميركيّة الحاليّة لأنّها تفضّل سياسة "الإملاء" وليس "الحوار".
على هذا الأساس، يصبح من الممكن تبرير الموجة العارمة من الريبة والشكوك والتساؤلات التي اجتاحت اللبنانيّين وجيرانهم في دول الإقليم جرّاء الكشف عن خبر تواجد سفينة التجسّس الروسيّة في شواطىء المنطقة، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ تجلّيات لغة التخاطب المتبادَلة بين واشنطن وموسكو خلال الأيّام القليلة الماضيّة، وتحديدًا منذ "اغتيال" اتّفاق كيري – لافروف الأخير بصواريخ المقاتلات الأميركيّة التي استهدفت مواقع الجيش السوريّ في دير الزور الشهر الماضي، ما زالت تُنذر باقتراب موعد نشوب الحرب العالميّة الثالثة يومًا بعد يوم، وبشكلٍ لم يسبق لارتفاع منسوب خطورته مثيلٌ منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية.
ولكن في المقابل، إذا كان كلّ ما تقدّم حتّى الآن من نذائرَ لا يمثّل سوى "النصف الفارغ من الكأس"، وفقًا للمثل الشائع، فإنّ نظرةً واحدةً إلى النصف الآخَر من الكأس نفسه، لا بدّ وأن تكون كافيةً للتأكيد على أنّه ملآنٌ أيضًا بالبشائر، وخصوصًا إذا سلّمنا بأنّ توقيت إبحار سفينة التجسّس "يانتار" من المياه الروسيّة إلى البحر الأسود، وعبورها مضيق البوسفور باتّجاه البحر الأبيض المتوسّط، بالتزامن مع وضع اللمسات الأخيرة على اتّفاقيّة مشروع إنشاء خطّ أنابيب "الدفق التركيّ" التي وقّعها البارحة الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيّب أردوغان، والتي سيتمّ بموجبها نقل الغاز الروسيّ عبر تركيا إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ، ما هو إلّا إبحارٌ قد يعني في إطار ما يعنيه أنّ السفينة المذكورة إنّما كانت تستكشف أصلًا الأعماق التي سيمرّ فيها خطّ الأنابيب الجديد، وأنّ توقّفها فوق أحد كابلات الانترنت البحريّة القريبة من تركيا قبالة مدينة اللاذقيّة السوريّة، والواصلة إلى قبرص، قبل إكمال طريقها إلى سواحل مدينة طرابلس اللبنانيّة، حيث حُدِّد موقعها أيضًا فوق كابلٍ بحريٍّ يصل إلى قبرص، قد يعزّز أيضًا ما كنّا قد أشرنا إليه في مقالاتٍ سابقةٍ حول حتميّة حسم مسألة الاستثمار في الحقول الغازيّة المكتشَفة ضمن المثلّث البحريّ اللبنانيّ – القبرصيّ – الإسرائيليّ لصالح الشركات الروسيّة، دون سواها من الشركات الأجنبيّة، علمًا أنّ أهمّيّة مصادر الطاقة لا تُلغي بالطبع أهمّيّة التحكّم بكابلات الانترنت في حسابات القيادة الروسيّة إذا ما قُدِّر للحرب العالميّة الثالثة التي راج الحديث بشأنها في الآونة الأخيرة أن تندلع بالفعل.
"عقدة غاز عالمية"
معلومٌ أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة، لم تدّخر جهدًا خلال السنوات الستّ عشرة الماضيّة إلّا وبذلته من أجل إيجاد بديلٍ للغاز الروسيّ في الأسواق الأوروبيّة، سواءٌ كان قطريًّا أم كازاخيًّا أم إيرانيًّا أم إسرائيليًّا، وذلك على أمل توجيه الضربة تلو الأخرى لاقتصاد دولةٍ راح يزدهر عامًا بعد عامٍ منذ تسلّم الرئيس بوتين مقاليد الحكم في قصر الكرملين في اليوم الأوّل من أيّام القرن الحاليّ، علاوةً على أنّ واشنطن ظلّت تحاول إقناع تركيا بإمكانيّة تحويلها إلى "عقدة غازٍ عالميّة" تمرّ عبرها إمدادات الغاز إلى أوروبا من الدول الآنفة الذكر وغيرها، تحت العباءة الأميركيّة، ولكن من دون أن تنجح في تحقيق ذلك بأيّ شكلٍ من الأشكال.. وما "ربيع العرب" بكافّة هواجسه وكوابيسه ودواعشه إلّا أبشع دليلٍ على ذلك.
وإذا كنتُ قد استخدمتُ قبل قليلٍ مصطلح "البشائر" لدى الإشارة إلى وجود سفينة التجسّس الروسيّة قبالة مدينة طرابلس بالتزامن مع التوقيع على اتّفاقيّة "الدفق التركيّ"، فمردّ ذلك هو التأكيد على أنّ حضور لبنان لا يزال لافتًا في الحسابات الروسيّة إلى حدّ الانبهار.
ولكنّ ما بين الانبهار إعجابًا أو تعجّبًا، ثمّة دائمًا علامة استفهام.. وما على اللبنانيّين إلّا تحديد إبرة بوصلة جموحهم وجروحهم.. واليقين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)