قد تكون المرة الأولى منذ العام 2004 التي يقترب فيها الاستحقاق الرئاسي من لحظة انفراج حقيقية اذا ما قصد قطار التفاهمات عين التينة وتمكن من اشراك الرئيس نبيه بري في شبكته، ويعود ليحمل وليد جنبلاط وسليمان فرنجية في متنه.
واذا ما فعلها ستكون المرة الثانية في التاريخ السياسي الحديث التي تنجح فيها لبننة الاسحقاق الرئاسي ليتمكن اللبنانيون من صناعة رئيسهم بأنفسهم من دون تدخل خارجي.
هكذا، تسير عقارب الرئاسة بشكل متسارع منبئة بأحداث تغييرية قد تخرج "فخامة الشغور" من قصر بعبدا بعد أكثر من سنتين ونصف على انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان.
ومع ذلك يبدو الكل مأزوماً: العماد ميشال عون والذي يفترض أنه صار "رئيساً" مع وقف التنفيذ يخشى من لغم كبير من شأنه أن يعرقل كل المسار ويبقيه جنرالاً في الرابية، طالما أنّ أحد جناحي الثنائية الشيعية يرفض فتح باب التفاهم.
الرئيس سعد الحريري قلبه على يده ويخاف من أن تواجه مبادرته الثانية حائطاً مسدوداً قد تقضي على ما تبقى له من حيثية شعبية. وحتى لو نجحت المبادرة فإنّ هامش خسارته هو بالذات لا يزال كبيراً بما أنّ المعارضة في شارعه لا يستهان بها ومن شأنها أن تحمله الى السرايا الكبيرة ضعيفاً أو مكبلاً.
حتى "حزب الله" المعتصم بالصمت بعد التأكيدات المتكررة للسيد حسن نصر الله بأنه داعم لرئيس تكتل "التغيير والاصلاح"، وبعدما رفع الفيتو عن عودة الحريري الى الرئاسة الثالثة، يبدو محرجاً بفعل تهديد رئيس المجلس بتقديم طلب الانتساب الى المعارضة. وهو بذلك يخشى من تداعيات التوتر على الشارع الشيعي الذي يعطيه أولية في اهتماماته، وهو صار اليوم بين سندان الإلتزام بتأييده للجنرال ومطرقة الحفاظ على وحدة الصف الشيعي.
وحده سمير جعجع يضع رجلاً فوق رجل ويتفرج على المشهد اللبناني مرتاحاً، لا بل أكثر من ذلك يضحك في سرّه كونه أكثر القوى اللبنانية سروراً لمسار الأحداث. يراقب الرجل التطورات بصمت بعدما كانت مؤتمراته الصحافية تزاحم بعضها البعض. اليوم يبدو منكفئاً الى الخلف.
هو عملياً، حقق ما يريده من المصالحة مع "التيار الوطني الحر" وردم هوة الصراع العتيق مع هذ الفريق بما يمثله في الوجدان المسيحي، وتمكن من تبييض صفحته في الشارع المسيحي تمهيداً لتمدد نفوذه... في مرحلة ما بعد ميشال عون. وأثبت أنه يلتزم بما يقوله ويعد به.
فاذا صار الجنرال رئيساً فهو سيكون شريكاً أساسياً في العهد الجديد أقله في أولى الحكومات التي تمّ التفاهم عليها بين "التيار الوطني الحر" و"القوات"، الى جانب الحصة الكبيرة التي يعد نفسه بها في الانتخابات النيابية والتعيينات الادارية...
واذا كبر الخلاف بين الثنائي الشيعي ما استدعى القيام بفرملة لترشيح ميشال عون، فسيحصل ما لم يكن في الحسبان، وهو اولاً احتراق ورقة "المرشح العتيق" بعدما تسدّ بوجهه كل المنافذ ويتبيّن له أن حليف الحليف هو العقبة وليس الخصوم... وقد تصل الأمور ثانياً الى حد تهديد بنية ورقة التفاهم بين "التيار الوطي الحر" و"حزب الله"، وانتقال التيار العوني أكثر فأكثر الى حضن معراب!
وفي كلا الحالتين، سمير جعجع "كسبان".