بعيداً عن خلفيات الاصطفاف المؤيد لترشيح وترئيس الجنرال ميشال عون، وذلك الذي يميل إلى سليمان فرنجيه ويشجعه على الاستمرار في معركته. وبعيداً عن الأسباب التي دفعت بسعد الحريري الى القيام باستدارة كاملة على "كبار" الموارنة ليرسي سفنه أخيراً على برّ الرابية طلباً القرب من جنرالها.
بعيداً عن الاعتراضات التي أشعلت عاصفة الرئيس نبيه بري وجعلت منه رأس حربة المواجهة الديموقراطية بواسطة الصندوقة الرئاسية، مهدداً بالانتفاض على المكتسبات السلطوية و"حنفياتها" وكنوزها النائمة.
فكل تلك الوقائع وحيثياتها في كفة، وفكرة "تصنيع" الرئيس للمرة الأولى في جمهورية "الطائف"، في كفة أخرى. من رصد تطورات الأيام الأخيرة، مذ وطأت قدما الحريري بيروت وتابع تفاصيل لقاءاته ومشاوراته ومفاوضاته، لأدرك جيداً أنّ ما شهدته الساحة اللبنانية فيه الكثير من الغرابة الى حدّ رفض الكثيرين تصديق تفاصيله.
بالأحرى، يكاد يكون المشهد استثنائياً في تكوينه، لم يعتد عليه اللبنانيون، لا لاعبين ولا متفرجين. أن تترك اللعبة المحلية تأخذ مداها من دون أن يكون هناك تأثير لمفتاح خارجي أو كلمة سر اقليمية أو سلطة وصاية، فذلك فيه كل الغرابة.
يوم قرر زعيم تيار "المستقبل" تنفيذ هجومه الانتحاري بواسطة حزام ترشيح جنرال الرابية الناسف، على ما وصفه بنفسه، استُحضر السؤال الأساس: أين السعودية من هذا المشروع؟ هل هي مؤيدة؟ رافضة أم غير مبالية؟ أين طهران من هذا الغرام اللبناني المستجد؟ أين لبنان من صراع المنطقة؟ من النيران المشتعلة خلف الحدود مهددة أخضر العلاقات الاقليمية ويابسها؟ هل فصل المسارات ممكن؟
باختصار: هل ما يحصل هو من نوع الهلوسات اللبنانية التي سرعان ما سيستفيق منها اللاعبون ليعودوا الى الواقع الذي يفيد بأنّ الرئاسة لا يمكن أن تحصل الا بتقاطع اقليمي ولا يمكن لها أن تكون نتاج حراك محليّ بحت؟
حتى الآن، صدقت المقولة التي تفيد أن الدول الغربية لا تبدي حماسة للحراك اللبناني، بدليل أنّه طوال الأسبوعين الماضين بدا ممثلو الدول الغربية في لبنان في حالة "كوما"، وكأن تقارير المشاورات الرئاسية لا تصل مكاتبهم أو لا تثير اهتمامهم... وكأنها باختصار فاقدة للمصداقية أو للجدية.
حتى السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد التي التقت الحريري خلال الساعات الأخيرة، أبقت على صمتها المطبق، وبدت في جلستها أكثر استماعاً منه كلاماً، كما يؤكد المطلعون، بينما ينكفىء زملاؤها عن الواجهة، ويكتفون ببعض اللقاءات الصامتة. مع أنّ العادة اللبنانية درجت على أن يعلو صوت الديبلوماسيين الغربيين عن أي صوت آخر في استحقاقات مماثلة، ويصيرون بمثابة مشرفين على الطبخة المحلية، ان لم نقل طباخيها!
ومع ذلك، لم يغادر الشك أذهان اللبنانيين. بتقدير كثر ثمة قطبة مخفية لم تظهر بعد الى العلن. لا يصدق أهل الحل والربط أنّ الساحة اللبنانية مكشوفة الى درجة أخذ الاستحقاق الرئاسي الى حيث يريدون. قد يكونون لم يعتادوا هذا الهامش الواسع، ويرفض "لاوعيهم" تصديق أنهم لم يعودوا أولوية على أجندات الكبار وبات بإمكانهم التحكم بمصيرهم.
ليست المسألة نضجاً ولا بلوغاً لسن الرشد، وقد تكون مجرد لامبالاة أو حتى عدم أخذ الحراك المحلي على محمل الجد... وقد تحمل الأيام القليلة المقبلة مفاجآت انقلابية من شأنها أن تعيد تذكير هؤلاء أنّه مهما اتسعت مساحة اللبننة، تبقى للمصالح الدولية والاقليمية مكانتها، وتوقيتها في قول كلمتها النهائية.