لم تكن إطلالة النائب سليمان فرنجية التلفزيونية أول من أمس، عادية في سياق اللحظة السياسية التي يعيشها لبنان عشية جلسة يفترض أن تكون حاسمة في ملء الشغور الرئاسي، وإن كان التقليد السياسي اللبناني يأبى إلا أن يستمر السجال حولها وعنها وفيها حتى اللحظة الأخيرة، لناحية موقف الكتل النهائي من المرشحين تأييداً من عدمه أو لجوءاً إلى الأوراق البيض، وكذلك النصاب الدستوري المفترض للجلسة وما يترتب على اعتبارها أولى أو ثانية من حسابات ومطبات ومقالب وصولاً إلى الكلام الرئاسي لما بعد الانتخاب في ما لو وصلت الأمور إلى خواتيمها السعيدة.. حتى ليُخيّل للمتابع أن لبنان جنة الديموقراطية وأن مسؤوليه "دولوز" احترام الدستور والالتزام بموجباته.
في الإطلالة المذكورة، وبارتياح واضح قال فرنجية كلاماً في الاستحقاق والمرشحين واتجاهات المؤيدين والمعارضين، وخفايا مواقف الحلفاء والخصوم، وما بعد الاستحقاق لناحية تقبل النتيجة ربحاً أو خسارة. لكنه، وعلى طريقته الصريحة والشجاعة، قال كلاماً في السياسة عن لبنان وموقعه، وعن الشراكة الوطنية الاسلامية – المسيحية، وعن العروبة والإيمان بها... وكل ذلك ليس تفصيلاً في إطار لحظة التجاذب القائمة.. هذه مبادئ وقيم وقناعات وليست تكتيكات آنية يبغى استجلاب ردود الأفعال.
صحيح أن العماد ميشال عون حاول بإطلالة تلفزيونية تغيير صورة سلبية رسمتها مواقفه تجاه الطائفة السنية خلال العقد الأخير، لكن الصحيح أكثر أنها غير كافية لتحل ترسبات عميقة عمرها من عمر لبنان ما بعد العام 2005. وبهذا المعنى تحديداً إن سليمان فرنجية كان ولا يزال يشكّل في مواقفه المبدئية بعدا عروبيا يحتاجه لبنان، كونه يدرك عميقاً أهمية الشراكة الوطنية، الإسلامية – المسيحية، والوجود الاسلامي والسني تحديداً في المنطقة ويحترمه أكثر من عون.
أن يكرر فرنجية القول إعلان إيمانه "نحن عرب، نحن عرب، نحن عرب" في أكثر اللحظات التاريخية قسوة على العرب والعروبة من سوريا إلى العراق فاليمن وليبيا ولبنان وغيرها، ويراد لهم التخلي حتى عن العنوان الجامع لمصلحة المحاور والأحلام الامبراطورية، وفي وقت باتت العروبة تهمة والتسابق للتبرؤ منها أو تهشيمها تقدمية، وأن ينبري للدفاع عنها.. فذلك يستوجب ردّ التحية بمثلها.. وأكثر.
في عالم السياسة، وخصوصاً في لبنان، لا مكان للصدق والشفافية والالتزام بالمبادئ، وعلى من ينتهج هذه القيم إدراكُ أن الآخرين، أو معظمهم، لا يشبهونه وأنه يغرّد وحيداً، لكنه، للتاريخ والمستقبل والقيم الكبرى، هو الأقوى.