لم يتعد تعليق وزير الخارجية الأميركية جون كيري حول الانتخابات الرئاسية اللبنانية حدود التحليلات المألوفة في لبنان: من يناصر الجنرال ميشال عون رأى فيه رضوخًا على مضضٍ مع انشغال الادارة الأميركية بالسباق الى البيت الأبيض، ومن يخاصم عون رأى فيه حذرًا أميركيًا يُلامس حدود إبطال مفاعيل الاستحقاق اللبناني في الفترة المقبلة.
للحكم على حقيقة نوايا واشنطن إزاء انتخابات الرئاسة اللبنانية، من الضروري مراجعة مقومات سياستها وحيثيات مصالحها في لبنان من زاوية الدور المطلوب منه إقليميًا ودوليًا:
- تتقاطع تقديرات الخصوم في لبنان على اتفاق ضمني دولي بتحييد البلد قدر الإمكان في هذه المرحلة، لضرورات تتعلق بالأزمة السورية. يحتاج المجتمع الدولي الى إبقاء النازحين أولا في لبنان في المدى المنظور للتقليل من تدفقهم الى أوروبا والغرب، ولاعتبارات لها علاقة بإيجاد ممر آمن نسبيًا في ما يتعلق بحركة اجهزة الاستخبارات جميعها باتجاه سوريا.
- في خضم النيران المشتعلة من حوله، لا يشكل لبنان قيمة إضافية حقيقية من منظار جيو – استراتيجي لأي من المحاور في هذا التوقيت. وعلى رغم كل ما يُقال عن قوة سلاح "حزب الله"، فإن الحزب لم يفرض إرادته السياسية بهذا السلاح، ادراكًا منه بأن البلد لا يُحكم من طرف واحد؛ وهي لازمة يكررها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله مرارا في خطاباته. لا تعني هذه اللازمة تسليم البلد للطرف الآخر بقدر ما أنها تعكس حقيقة وزن البلد في المعادلة الاقليمية والدولية تاريخيًا.
- لا مصلحة اقتصادية غربية بإشعال النيران في بلد لم يتم بعد الاتفاق على التعامل مع احتياطي الغاز والنفط المكتشف فيه. يحتاج استخراج الغاز تحديدًا ونقله في البحر الى استقرار اقليمي غير متوافر حاليًا. تعاني اسرائيل من الإشكالية نفسها، من زاوية عدم القدرة على ضمان سلامة أمن عمليات تنقيب الشركات الأجنبية عن الغاز في الحقول البحرية الموازية لسواحل فلسطين. ومع إجماع الدراسات العالمية المختصة على وجود احتياطي معتبر شرقي المتوسط، لا حاجة عملية حاليًا للإضرار بالتوازن القائم.
- للبنان دورٌ كقاعدة انطلاق لمعالجة آثار الحرب السورية مستقبلا بحكم موقعه الجغرافي وبحكم قدرته على التعامل مع مختلف الأفرقاء الدوليين المشاركين في عملية الإعمار بعد انتهاء الحرب. من هذا المنظار، يصبح تحييد لبنان استثمارا للمستقبل.
- تكاد تكون إسرائيل المستفيد الأول من إطالة أمد الحرب السورية. بل إنها باتت تجد نفسها قادرة على تحقيق مصالحها حتى في الساحات الأبعد، وصولا حتى كركوك.
فالحفاظ على حالة الاستقرار النسبي في لبنان يضمن ايضا هدوءًا على الحدود الشمالية لاسرائيل. بهذا المعنى، يصير توازن الردع القائم حاجة لجميع الأطراف الى حين جلاء غبار المعركة في سوريا.
للأسباب الواردة أعلاه، لا يضير واشنطن في الحقيقة من سيكون الرئيس اللبناني المقبل، ما دام مدركًا لحدود اللعبة وظروفها. أمام هكذا واقع، لا يملك جون كيري أيضا الا التعليق بشكل عابر على سؤاله حول دعم سعد الحريري للجنرال ميشال عون.