كلّما كنت أوصل ولديّ الى المدرسة صباح كل يوم، كنت أسلك طريقًا نزولا، إلا أنّ وجهة السير فيها صعوداً، ولا أحد يبالي أو يتقيد بالإشارة، بل كان الجميع يتبعون الاتجاه الخاطئ ما يجبر السائقين الذين يسيرون في الاتجاه الصحيح، أي نزولا، الى التراجع تلقائياً متى واجهتهم سيارة مخالفة. ومن وقت لآخر، يتمسّك أحدهم بحقه في الاتجاه صعوداً، فيعرقل السير وتقوم القيامة عليه، ولا يتزحزح من مكانه، فيتهمه البعض بإقفال السير وتجميد الحركة من حوله وبالازعاج و"التشبّص"، فإمّا أن يتراجع عن حقه ويمرّر المخالفين أو أن يصرّ على أنّ الطريق طريقه ويتسبّب بذلك بأزمة سير خانقة، فتنهار عليه الاحتجاجات والملامات، وهو يا ناس على حقّ.
والعبرة في ذلك أنّ ما يسمّى بالخطأ الشائع غالبا ما يتجاوز الحق الى درجة أنه يصبح هو الصح والصحيح، فينحني صاحب الحقّ بحثاً عن "سيسرة" الأمور وتخفيف وجع الرأس، أو يصرّ على حقّه وعلى التزام القانون فيغدو هو المخطئ لأنّه يعرقل السير في شتى اتجاهاته ومعانيه، على الطريق وفي الحياة.
وقد لا يكون الجنرال ميشال عون دائماً على حق أو في الاتجاه الصحيح، إلا أنّ نظرته إلى الأمور والسياسة كنظرة السائق صعوداً على هذا الطريق، وهو مقتنع بأنّه في الاتجاه الصائب ولا مجال للتراجع مهما كانت الظروف والعواقب، ما يجعله معرقلا في أعين الكثيرين ومشاكساً ومتعباً ومتحدياً...وبعيداً كلّ البعد عن السياسي التقليدي أقلّه بالمفهوم اللبناني، على طريقة "عطيني لأعطيك".
فاما أن تحبّ الرجل ومقاربته للأمور وطريقته في التعامل معها، أو أن يستفزّك أسلوبه وتعنّته، واصراره على مواقفه وآرائه بدلا من تدوير الزوايا كما هو معتاد، وفي هذا الإلحاح ما ساهم الى حدّ بعيد في إعادته الى قصر بعبدا بعد 26 عاما على مغادرته إياه قسراً، على متن مجنزرة أقلته في شهر تشرين الأول من العام 1990 الى السفارة الفرنسية ومنها الى باريس.
حروب وتناقضات!
أعلن الحرب على سوريا ساعياً الى تحرير الأراضي اللبنانية من جيش "الشقيقة"، فهزم في لعبة الكبار وأخرج من المعادلة السياسية اللبنانية ومن لبنان، ليعود الى الوطن بعد 15 عاماً على أثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وإذا به يسلك درباً سياسياً بدا مغايراً تماما لمبادئه الاساسية، متحالفاً بعد حين مع "حزب الله" الملتصق بسوريا - الأسد، أي سوريا نفسها التي كانت قد أطاحت به، والتي انتفض ضدّها ثوار الأرز في 14 آذار 2005 والعونيون في مقدمتهم، وهي الثورة الشهيرة التي مكنته من العودة الى الديار في شهر أيار من العام نفسه، ليصبح مع الوقت أحد رموز المحور الايراني الممثل بفريق 8 آذار، بعدما عُزل سياسياً، مع قيامة الاتفاق الرباعي التي أجريت على أساسه الانتخابات النيابية في العلم 2005.
ناهيك عن المصالحة المفاجئة التي أبرمها أوائل العام الجاري مع "عدو" الأمس، رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، بعد حرب "إلغاء" دامية في أواخر الثمانينات بين الطرفين (كان الجنرال آنذاك قائدا للجيش) أتت كلفتها باهظة على المسيحيين، بالأرواح والسياسة، وهي مصالحة ترجمت في معظم الأوساط السياسية على أنها خطوة مدروسة للتقدم نحو الرئاسة ليس الا. فلا عجب اذاً أن يلومه كثيرون على التغيير المفاجئ في مبادئه. أما الجنرال، فهو واضح لا يتزعزع، يشرح أنّه كان ضدّ الوجود السوري في لبنان لا ضدّ سوريا، البلد المجاور الذي يجب بناء أفضل علاقات حسن الجيرة معه ما دام الاحتلال قد انتهى. يرى في محور 8 آذار وفي علاقته المميّزة مع الحزب ضمانة لمسيحيي الشرق اجمالا ومسيحيي لبنان خصوصا. لا يأبى لانتقادات البعض، ومنهم من مؤيدي الجنرال أساسا، بأنّ تياره قد "ذاب" بـ"حزب الله" الى حدّ أنّه خسر هويته وتاه عن أهدافه السياسية، فأصبح الجنرال المسيحي مرشح الفريق الشيعي في المعادلة السياسية اللبنانية ومن خلفه مرشح ايران. على العكس تماماً، يرى الجنرال ومناصروه أنّ التحالف مع الحزب أعاد الاعتبار للوجود المسيحي في لبنان بعدما برهن أنّه مجدٍ للطرفين على حدّ سواء وللبنان عموما بمكوناته وتنوعه الطائفي والسياسي، وذلك عبر الأحداث والتطورات من حرب تموز 2006 الى ٧7 أيار 2008 وما بينهما وبعدهما من تطورات خطيرة طالت لبنان سياسياً وأمنياً.
يضع مصالحته مع جعجع في خانة التحالف المسيحي المفيد وضرورة القيام بطائفة شرذمتها الحروب والخلافات ليكون لها "كلمة" في الداخل اللبناني وخارجه، على غرار الثنائي الشيعي الذي استطاع بلحمته أن يؤثر على مجرى الأمور، وهو على هذا الأساس وبهذه الذهنية كان أول من زار جعجع في سجنه أبان عودته الى البلاد وقبل أن تفرّقهما السياسة من جديد. فإن كانت هذه "الكلمة" أن يصل المسيحي الأقوى الى قصر بعبدا بعد ما يناهز الثلاثين عاماً من النضال السياسي، فما المانع أن يقولها سويا أعداء الأمس ولو في لحظة غير متوقعة ما دامت مناسبة، ومن دون تحضير سرمديّ لها؟
ينقل الجنرال بابتسامة وصف بعض المسؤولين الأميركيين له بأنه لا يمكن التنبّؤ لهذا الرجل ولأعماله (The man is unpredictable)، ما قد يفسّر عدم ارتياحهم له، وهو يكاد لا يخفي شبه سروره بأنه يبقى لغزا في عالم السياسة على رغم وضوح أفكاره وصرامته الى حدّ التعنّت أحياناً. إلا أنّ ما قد يراه البعض تقلّباً في المواقف والآراء هو بالنسبة لمن "يؤمن" بالجنرال نتيجة بعد نظر الرجل وقراءة مسبقة للأمور ورؤية سبّاقة لما يمكن أن تؤول اليه، وهذا ما يجعل كثيرين يختلفون معه وينتقدونه لفترة ليعودوا فيؤيدونه لاحقاً، أو يبعدون نهائيا عنه أحيانا لأنه "غير مريح" و"غير مقنع" بالنسبة لهؤلاء.
أمّا هو، فماضٍ في مساره لا يتزحزح، ينظر صعوداً ولا يتراجع حتى وإن اضطرّ احيانا الى الانحراف عن مساره الأساسي.. ها هو يقف اليوم على عتبة قصر بعبدا، "المسيحي الأقوى" على باب المنصب المسيحي الأول، وفي ذلك بعض العدل لطائفة أحسّت بالغبن لفترة طويلة، عسى أن يجلب هذا الواقع، إن تحقق، إنصافا للبلد ككلّ فيعيد لبنان بمؤسساته على الخريطة العالمية بعد طول غياب وتحت سقف الطائف الذي التزم الجنرال أمام "شعبه العظيم"به... بعد طول تمرّد عليه.