بغضّ النظر عما شهدته جلسة إنتخاب العماد ميشال عون رئيسًا لجمهورية من "ولدانات" وحركات صبيانية لا تليق بنواب الأمة في هذا الظرف العصيب الذي تعيشه البلاد، وقد بات الوضع الإقتصادي على قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، الذي بات يهدّد الناس بقوتهم اليومي، لا بدّ من التوقف مليًّا أمام ظاهرة الورقة البيضاء، التي كانت بالأمس في جانب من مشهدية الإنتخابات، الحدث الثاني بعد الأول.
هي نفسها لم تتغير، لا في الدورة الأولى ولا في الدورة الثانية، وقد حافظت على الرقم 36، أي أن الذين لم يقتنعوا بخيار"الجنرال" رئيسًا أرادوا من خلال الورقة البيضاء أن يعبّروا، وبطريقة ديمقراطية، عن رفضهم هذا الواقع، وكانوا على رغم ذلك أول المهنئين، فور إعلان النتيجة. وفي ذلك قمة في التعاطي مع هذا الواقع بعقلانية، مما يتيح لهم مستقبلًا أن يكونوا العين الساهرة لمراقبة مسار الأمور ومسيرة العهد.
وقد تكون الأوراق التي أوصلت العماد عون إلى المسؤولية الأولى، وهي 84 في الدورة الأولى، و83 في الدورة الثانية، وهي دون الـ 86، التي كانت لتوصله إلى الرئاسة من الدورة الأولى، لها مدلولات، أولها أن الرئيس نبيه بري، الذي سبق له وقال للرئيس عون عندما زاره في مقره في عين التينة أن تعطيل النصاب في جيبه، ولكنه لن يلجأ إليه، أيًا تكن الظروف. وهذا يعني أن رئيس المجلس، وهو البرلماني العريق، والسياسي المحنك، لم يشأ أن يلعب لعبة التعطيل، وهو كان قادرًا على فعلها، لكنه فضّل السير في الطريق التي توصل ساحة النجمة ببعبدا، وهو الذي كرّر أكثر من مرة أن مجلس النواب هو المعبر الألزامي للوصول إلى بعبدا.
وهذا الأمر، وفق ما يقول بعض المطلعين على كواليس مفاوضات الربع الساعة الأخير، أن الرئيس بري الذي يتقن فن إمساك العصا من وسطها، أراد إيصال أكثر من رسالة إلى العهد الجديد، إنطلاقًا من ثابتة عدم إختزال الآخرين بإتفاقات ثنائية، في إشارة إلى ما حُكي عن إتفاق بين الوزير جبران باسيل ونادر الحريري، موحيًا إلى من يعنيهم الأمر أنه، بحيثيته السياسية، لا يزال رقمًا صعبًا في المعادلة اللبنانية الداخلية، وهو على هذا الأساس سيقبل الدخول في حكومة، تكون له فيها حصّة وازنة ومعتبرة، كحقيبتي المالية والطاقة.
أما عن الورقة البيضاء فهي لن تُحبس داخل صندوقة الإقتراع، بل ستكون مرافقة لكل خطوة من الخطوات التي سيقوم بها العهد الجديد، نهجًا وممارسة، وذلك بتنسيق الخطوات البرلمانية مع رئيس المجلس، على رغم مشاركته في الحكومة، بحيث لا يتوانى عن تحويل أي سؤال نيابي إلى استجواب، في حال لم تقنع أجوبة الحكومة طارح السؤال. وهكذا يستقيم العمل البرلماني، خصوصًا أن العمل الرقابي هو من أولى مهام النائب الذي يعبّر عن هموم المواطنين الذين انتدبوه إلى الندوة البرلمانية لكي يكون صوتهم، ولكي يوصل هذه الصوت إلى حيث يجب أن يصل.
وبين "الورقة البيضاء" و"المسيرة البرتقالية" مساحة واسعة من النزال في ساحة "المعركة الديمقراطية"... وباللون الأبيض.