لم يكد وزير الدفاع الأميركيّ آشتون كارتر يعلن البارحة أنّ خطّة تطويق المعقل الرئيسيّ لتنظيم "داعش" في مدينة الرقّة السوريّة أصبحت على وشك البدء قريبًا، حتّى سارعت السلطات التركيّة إلى إرسال تعزيزاتٍ عسكريّةٍ إضافيّةٍ لدعم وحداتها المتمركزة قرب حدودها البرّيّة مع سوريا، وذلك في خطوةٍ بدت وكأنّها تأتي استجابةً لطلبٍ رسميٍّ أميركيٍّ، ولا سيّما أنّ الوزير كارتر كان قد أشار بوضوحٍ إلى أنّ المحادثات بين واشنطن وأنقرة بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في إطار تلك الخطّة مستمرّة على قدمٍ وساق، وكأنّه أراد بدوره أن يرمي حجرًا لتعكير صفو العلاقات الروسيّة – التركيّة الراهنة، الأمر الذي سرعان ما تحقّق بالفعل، وخصوصًا بعدما عاد وزير الخارجيّة التركيّ مولود جاويش أوغلو إلى ترديد أسطوانة التأكيد على استحالة التوصّل إلى حلٍّ سياسيٍّ للأزمة السوريّة بمشاركة الرئيس بشّار الأسد، علمًا أنّ الوقائع المتوافرة على الأرض، محلّيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ما زالت تُثبت يومًا بعد يومٍ أنّ هذه المسألة صارت من رابع المستحيلات.
ولعلّ ما كان لافتًا في موقف الوزير أوغلو هو أنّه جاء خلال مقابلةٍ مع قناة "روسيا 24" بُثّت نهار أمس الأربعاء، حيث قال في معرض تعليقه على الاتّصالات الروسيّة – التركيّة حول سوريا إنّ البلدين متّفقان على أنّ الحلّ السياسيّ وليس العسكريّ هو الخيار الأفضل بالنسبة للأزمة السوريّة، ولكنّه أكّد أنّ ثمّة خلافاتٍ مبدئيّةً ما زالت قائمةً بين الجانبين حول مصير الأسد، وعددٍ من المسائل الأخرى، لافتًا إلى أنّ موسكو وأنقرة شكّلتا فِرقًا ديبلوماسيّة وعسكريّة واستخباراتيّة مشتركة لدراسة كافّة المسائل الإقليميّة، ومشدّدًا على الأهمّيّة البالغة التي يكتسبها الحوار الروسيّ – التركيّ لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.
أمّا بالنسبة إلى المسائل الخلافيّة الأخرى، فقد أقرّ الوزير أوغلو بأنّها تتمحور حول كيفيّة الفصل بين المعارضين المعتدلين والمقاتلين الإرهابيّين في سوريا، وتحديدًا في مدينة حلب، قبل أن يستدرك قائلًا: "إنّنا نطالب أيضًا بعزل أنصار تنظيم جبهة النصرة عن المعارضة، لأنّه لا يجوز أن نتعامل مع الإرهابيّين مثلما نتعامل مع المعارضة المعتدلة".
"الحرتقة" الأميركية!
وإذا كان هذا الموقف قد بدا وكأنّه تردّدٌ لأصداءِ مواقفَ مشابهةٍ لم تكلّ الولايات المتّحدة في إطلاقها ولم تملّ، طيلة الأشهر الماضية، سعيًا إلى "الحرتقة" على فاعليّة الدور الروسيّ في ميادين القتال على الساحة السوريّة، ولا سيّما بعد النجاح الباهر والمتمثّل في تحرير أكثر من اثني عشر ألفَ كيلومترٍ مربّعٍ من قبضة الإرهابيّين وسطوتهم، فإنّ الهدنة الإنسانيّة الجديدة التي أمر الرئيس فلاديمير بوتين بتفعيلها على جبهات مدينة حلب نهار غدٍ الجمعة، تبدو بمثابةِ الفرصة النادرة والأخيرة أمام مقاتلي الفصائل المسلّحة لمغادرة المدينة، إذا ما أرادوا تفادي تكبُّد هزيمتهم المرتقبة هناك، الأمر الذي أصبح شبه مؤكّدٍ إلى درجة اليقين، وخصوصًا بعدما أشارت بعض التسريبات إلى أنّ جولة الحسم العسكريّ النهائيّة في حلب قد تبدأ فعلًا بعد غدٍ السبت.
على هذا الأساس، أوضح رئيس هيئة الأركان العامّة للقوّات المسلّحة الروسيّة الجنرال فاليري غيراسيموف أنّه تمّ تنسيق الهدنة، ومدّتها عشرُ ساعاتٍ، مع القيادة السوريّة، حيث تبدأ عند الساعة التاسعة صباحًا وتنتهي عند الساعة السابعة مساءً من نهار الرابع من شهر تشرين الثاني الحاليّ، وذلك تجنّبًا لهدر الأرواح البشريّة.
وأكّد الجنرال غيراسيموف أنّ كافّة الممرّات التي سبق وأن حدّدها المركز الروسيّ المعنيّ بمصالحة الأطراف المتنازعة في سوريا لخروج المدنيّين والمسلّحين من حلب ستبقى مفتوحة، مشيرًا إلى أنّ وحدات الجيش السوريّ ستنسحب مع معدّاتها من الممرّين المخصّصين للمسلّحين، وداعيًا أفراد التشكيلات المسلّحة التي تنشط في أحياء حلب الشرقيّة إلى وقف القتال والخروج من المدينة حاملين أسلحتهم.
ولعلّ ما يعزّز الاعتقاد بأنّ جولة الحسم النهائيّة في حلب أوشكت على البدء قريبًا، يتمثّل في أنّ الجنرال غيراسيموف أشار بوضوحٍ إلى أنّ العوامل التي استوجبت إعلان هدنة الغد، تعود إلى عجز "الشركاء الأميركيّين" عن الفصل بين المعارضة والإرهابيّين، الأمر الذي يعزّز بالتالي صوابيّة مبدأ "وقد أعذِر من أنذَر" في الحالة السوريّة الراهنة، ولا سيّما أنّ المسؤول الروسيّ توجّه بدعوةٍ مباشِرةٍ إلى جميع قادة التنظيمات المسلّحة لوقف القتال والخروج من المدينة مع أسلحتهم، موضحًا أنّ أحد الممرّين اللذين تمّ فتحهما لهم يؤدّي إلى الحدود التركيّة، بينما يؤدّي الممرّ الثاني إلى ريف إدلب.
دعوةٌ.. لا بدّ من أن ترفع الستار عن الموقف التركيّ الذي عبّر عنه الوزير أوغلو في مقابلته التلفزيونيّة الآنفة الذكر، وخصوصًا عندما قال إنّ الخلاف بين موسكو وأنقرة يكمن في كيفيّة تنفيذ عمليّة الفصل بين المعارضة المعتدلة والإرهابيّين، حيث يصرّ الجانب التركيّ على إيقاف القصف أوّلًا وضمان وقف إطلاق النار، ومن ثمّ تحديد فترة "زمنيّة معقولة لتنصّل المعارضة المعتدلة من الإرهابيّين"، على حدّ تعبيره، الأمر الذي ظلّت الولايات المتّحدة تروّج له على الدوام، سعيًا إلى شراء الوقت وبيعه.
ووفقًا لما تقدّم، يصبح في الإمكان إدراج أسباب التعزيزات العسكريّة التركيّة والجولات التفقّديّة التي يقوم بها وزير الدفاع فكري إشيق برفقة قائد القوّات البرّيّة صالح ذكي جولاق في المناطق الحدوديّة مع سوريا في خانة الاستعدادات اللازمة لمواجهة الآتي الأعظم.
أمّا بالنسبة إلى روسيا، فإنّ الإسراع في حسم معركة حلب لصالحها سيؤهّلها حتمًا للتفرّغ لمراقبة ذلك الآتي الأعظم عن كثب، وبالتالي لإدارة معركة تحرير الرقّة لدى بدئها من خلال منظوماتها الدفاعيّة الجوّيّة، أي الـ "إس ثلاثمئة" في طرطوس والـ "إس أربعمئة" في حميميم، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أيّ مقاتلةٍ أجنبيّةٍ ستشارك في عمليّة الرقّة ستحتاج إلى إذنٍ مسبقٍ قبل دخولها إلى المجال الجوّيّ السوريّ، الأمر الذي يؤكّد أنّ الروس يدركون حقًّا ما يفعلون.. وإنّ غدًا لناظره قريبُ!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)