وأخيراً أفرج عن الاستحقاقات الدستورية العالقة في لبنان وعاد نبض الحياة الى نظامه الديمقراطي ليأخذ مساره الطبيعي، وإن ظُلل هذا الافراج بعلامات استفهام كثيرة حول دوافعه وتوقيته بعد سنتين ونصف من الفراغ الرئاسي، وفرملة لعمله البرلماني وتعجيز لسلطته التنفيذيه بشروط وشروط مضادة وسط منطقة ملتهبة لا افق واضحاً للحل فيها.
في النتيجة، احتفل جمهورا ربط النزاع بانتصار خطّهما دون اعتراف أي منهما بفضل الفريق الآخر عليه في ذلك، ودون المجاهرة أيضاً بتسجيل نقطة في صفوف الفريق الآخر، وهكذا مرّت نتيجة الشوط الاول لعودة انخراط حليفي الفريقين السعودي والايراني وجهاً لوجه مجدداً على الساحة اللبنانية تحمل تعادلا ايجابياً "1-1". ولكن ماذا بعد؟!
"راحت السكرة واجت الفكرة" وهواجس كثيرة تلف ماسكي زمام العهد الجديد في مقابل تطلعات المحتفلين بانتصارهم - قواعدهم الشعبية- حول المنتظر مما سمي بـ"التضحيات" لاجل وحدة الوطن وحمايته في ظل وضع داخلي أمني ومعيشي واقتصادي على شفير الانهيار، وأيضا في ظل ظروف خارجية دقيقة تعيشها المنطقة. ربما قد يكون من السابق لأوانه استشراف السلوك السياسي الذي سيحذوه العهد الجديد تجاه ذلك، والذي يبدو انه سيشكل الشوط الثاني من المواجهة بين الفريقين.
الا انه وحتى تتضح الصورة لا بد من تسجيل بعد النقاط التي شكلت علامة فارقة في المواقف التي رافقت تسمية رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وما تبعها، وهي تلك التي حملها رئيس الحكومة السابق "نجيب ميقاتي" وهو الذي شهد على اخطر المراحل التي مرّ بها لبنان في ظل ارتفاع منسوب التوتر الطائفي والمذهبي والانقسام العامودي المميت محاولا بوسطيته واعتداله اختصار التباعد ولملمة التشرذم بين الافرقاء المتنازعين عبر مسك دفة التوازن قدر المستطاع محاطاً بالسهام من كل الاتجاهات.
فلقد شكلت تسميته للرئيس الحريري لتولي رئاسة الحكومة العتيدة علامة تعجب وإعجاب لم يخفها مؤيد لموقفه أو معارض، قاطعا الطريق في الوقت عينه على أي تفسير يأخذ موقفه في اي اتجاه مغاير لمراميه التي لم تتبدل حتى في فترة تكليفه في العام 2011، وهو الذي قال حينها "ان التوتر بينه وبين الحريري كان كعاصفة في فنجان وهو لن يسمح بهبوب عاصفة داخل الفريق السني"، وخاصة أيضاً ان موقفه من الاستحقاق الرئاسي جاء مغايرا لمسار التسوية التي دفعت الى تسمية الجنرال ميشال عون رئيسا للجمهورية وعدم ممانعة تسمية الحريري لرئاسة الحكومة، مسندا أسبابه عن تجربة حكومية ومحصلة مواقف صدرت في السابق عن "التيار الوطني الحر" وقيادته لم تكن مطمئنة لمكون طائفي هو شريك أساس في الكيان اللبناني.
بالمحصلة، طي صفحة الماضي وتعزيز الصداقة والتعاون وتقديم النصح والعمل على تحصين مقام رئاسة الوزراء كائناً من يكون رئيس مجلس الوزراء كان هو "الحلوان الميقاتي" على تأكيد الرئيس الحريري على ذلك، والتأكيد ايضا على مشاركته الرئيس ميقاتي في ضرورة الانفتاح والحوار والعمل على رأب الصدع والانقسام بين مكونات الوطن على اختلافهم.
اذا هو مسار من الالتزام الايجابي والانفتاح تجاه كافة المكونات يطل به الرئيس الحريري على العهد الجديد وان لم تتضح حتى الساعة خطة عمله، الا انه استطاع من خلاله تمهيد طريقه نحو الاستحقاق الثالث وهو استحقاق "تشكيل الحكومة" الذي لا شك انه لن يخلو من المطبات، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار عمر الحكومة القصير نظرا لحصول الانتخابات النيابية على بعد حوالي ستة اشهر تقريباً من حصولها.
امام المشهد الداخلي هذا، وبالمقابل، لا بد من القفز خارج الحدود اللبنانية واستشراف حقيقة المواقف الدولية من العهد الجديد وما قد تخبئه في جعبتها من اوراق قد تطرحها في وجه حكومته، وربما تجربة العهود السابقة خير مثال على ذلك، فبعد اول زيارة للسفيرالاميركي السابق "جيفري فيلتمان" للبنان إثر تمويل الرئيس ميقاتي للمحكمة الدولية وردا على مطالب قوى 14 آذار في حينها بضرورة استعادة الحكم، رد "فيلتمان" قائلاً بأنه "فيما لو عدتم، ما هو الجديد الذي ستقدمونه الى الواقع السياسي اكثر مما يفعله ميقاتي؟".
مما لا شك فيه ان كل المعطيات تشير الى ان لبنان لم يخرج يوماً او نهائيا عن ساحة الصراع الدائرة حاليا في المنطقة وان الاستقرار الذي يتمتع به لطالما كان مرهوناً بصمام "الحاجة الدولية"، فمن هذا المنطلق ليس مستبعدا ان تطرح في وجه الحكومة الجديدة سلسلة مطالب حارقة قد يطال بعضها العمل على التغبير في الواقع السياسي اللبناني، على ان توقيت طرحها يبقى مرهونا بمعركة شد الحبال الدائرة على الساحة الدولية والاقليمية حول ملفات المنطقة المتأزمة، و ابرز هذه الاوراق يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
-الالتزام بقرارت الشرعية الدولية الملزمة للبنان والمستندة الى اتفاق الطائف وبخاصة القرار 1559 والقرار 1680 انطلاقا من القرار 1701 وتحديدا الفقرة التنفيذية منه التي تحمل الرقم 3 والتي تشدد على أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الاراضي اللبنانية كاملة، وهذا ما غمزت به الخارجية الاميركية عبر المتحدث باسمها "جون كيربي" في معرض بيان تهنئة الادارة الاميركية الشعب اللبناني على انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية وفيه انه: "عندما يشكل لبنان حكومة جديدة، نحن نتطلع الى جميع الاطراف لكي تتمسك بالتزامات لبنان الدولية بما في ذلك الواردة في قرارات مجلس الامن 1559 و1701 التي تؤكد الا تكون هناك سلطة غير سلطة الحكومة في لبنان".
-مقاربة الحكومة الجديدة لملف التنقيب عن النفط والغاز اللبناني وترسيم الحدود، والذي اسدل الستار عليه في المرحلة الاخيرة، حيث كشف عن شهية اميركية واضحة من المتوقع ان تصطدم باستشراس روسي كبير لانتزاع دور في مجال التنقيب عن الغاز، وهو لم يخف سعيه الى امتلاك امتياز التنقيب له وحده في القوس الذي يجمع كل من غاز لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة.
- تعاطي الحكومة مع الملف السوري انطلاقا من التزامها سياسة النأي بالنفس، وذلك لن يجعلها بمنأى عن الضغوطات الخارجية وبخاصة الروسية والسعودية، فموسكو لا شك انها متوجسة من النفس السعودي الذي يحيط برئيس الحكومة وما قد يترتب على ذلك من تداعيات قد تجد صداها في الساحة السورية، فيما يبرز التوجس السعودي من اللاعب الايراني بوجه "حزب الله" المشارك حكومة والمترأس على كرسي الجمهورية عبر حليفه الرئيس "عون" وما لذلك من تداعيات قد تسهم في اعادة تسليم الساحة اللبنانية الى دمشق بطريقة غير مباشرة وربما ما حكي عبر وسائل الاعلام عن زيارة مرتقبة لوفد رسمي سوري هام برئاسة وزير الخارجية وليد المعلم خير دليل على ادخال العهد الجديد حكومة ورئيسا في دوامة الضغوط هذه.
(ميرفت ملحم - محامٍ بالاستئناف)